قبل أيام قليلة تلقى الأمريكيون إنذاراً جديداً بأن المخاوف من اندلاع العنف فى موعدهم مع انتخابات الرئاسة هى مخاوف حقيقية.. بعض الصناديق المُخصصة لتلقى أوراق التصويت المبكر عبر البريد اشتعلت فيها النيران وانفجرت بعد أن وضُعت فيها رسائل حارقة فى العاصمة واشنطن وولاية أخرى..
الحادث ليس مفاجئاً فى انتخابات شهدت حتى الآن محاولات اغتيال فاشلة واعتداءات على مقرات انتخابية وتقديرات رسمية بأن احتمالات العنف كبيرة سواء فى يوم الانتخاب أو بعد ظهور النتائج.
لم تشهد الولايات المتحدة منذ زمن طويل مثل هذا الانقسام المجتمعى الخطير، ولم يكن النظام مهدداً من الداخل كما هو اليوم.. ما حدث فى الانتخابات السابقة قبل أربعة أعوام كان كاشفاً للمدى الذى وصل إليه العنف السياسى.. رفض «ترامب» القبول بنتيجة الانتخابات ثم اقتحام أنصاره لمبنى الكونجرس لمنع إعلان فوز منافسه بايدن كان حدثاً فاصلاً فى تاريخ السياسة الأمريكية.. الوضع فى الانتخابات الحالية قد يكون أخطر.. التحذيرات لا تقتصر على إمكانية تكرار رفض ترامب للنتائج الانتخابية إذا لم ينجح، ولكنها تمتد إلى أخطار أكبر تهدد العملية الانتخابية نفسها، أو إلى عنفٍ أكبر يتبعها!!.
مرة أخرى.. لم تكن الحملة الانتخابية على مستوى التحديات الهائلة التى تواجهها القوة العالمية الأكبر «حتى الآن» فى الداخل والخارج، وجود «ترامب» جعل محور الخطاب الانتخابى انتصاراً له أو هجوماً عليه!!.
ووجود «هاريس» كأول سيدة غير بيضاء تسعى لرئاسة أمريكا، جعل الخطاب العنصرى يطفو على السطح، ترامب لا يخفى انحيازه للأمريكى الأبيض وخشيته من التهديد الذى يمثله المهاجرون، الذين جاءوا من العالم الثالث ليأخذوا وظائف «الأمريكيين الحقيقيين» وينشروا الجريمة ويتاجروا فى المخدرات ويأكلوا حيواناتهم الأليفة ويحولوا أمريكا إلى «صندوق قمامة العالم»!! وهو ما يتم الرد عليه حتى من بعض الجمهوريين بأن «العنصرية» ينبغى ألا يكون لها مكان بعد كل ما مرت به أمريكا والعالم، وبالتأكيد على أن انتخاب «أوباما» للرئاسة قد أغلق هذا الطريق.. أو هكذا كان المُفترض!!.
الخطاب العنصرى هو الأسوأ فى هذه الانتخابات، وهو الأخطر لأنه يكشف عن أن هذا التيار العنصرى يرسخ وجوده فى السياسة الأمريكية «كما فى معظم دول أوروبا» لكنه عامل واحد إلى جانب عوامل أخرى تثير القلق عند المسئولين الأمريكيين من ارتفاع منسوب الغضب أو الخوف «أو الاثنين معا» عند قطاعات كبيرة فى المجتمع الأمريكى، ومن خطورة ذلك فى ظل ظروفٍ اقتصادية صعبة وتحدياتٍ داخلية وخارجية تنشغل عنها النخبة السياسية بمعاركها الصغيرة!!.
مشكلة هذه الانتخابات هى أنها تكشف أن أمريكا «بكل إمكاناتها الثقافية والاقتصادية والعسكرية»، لم تجد طريقها لمواجهة التحديات الجديدة، وأن «التعددية» التى كانت تميزها مهددة أكثر من أى وقت مضى بأن تتحول إلى انقسام مجتمعى خطير تزداد فيه المخاوف وتتردد فيه أصداء العنف المُحتمل بدلاً من الاستعداد لنظام عالمى جديد يتشكل، واستعادة الثقة بمبادئ بَشّرت بها أمريكا ولم تحافظ عليها!!.
صعب جداً أن يصدق المرء أى تقارير عن المخاطر التى تتوقعها السلطات الأمريكية على العملية الانتخابية وأن هناك من «المتطرفين» مَن يخططون لتعطيلها»!!
ولا أن يتصور المرء أن مرشحاً لرئاسة أمريكا يقول إنه مستعد للموافقة على نزول الجيش لحفظ النظام أثناء الانتخابات وبعدها «!!». وأظن أن بقاء الفرص المتعادلة أمام ترامب وهاريس حتى آخر أيام الحملة الانتخابية يجعل الفريقين حريصين على عدم تعطيل الانتخابات.. لكن ماذا بعد ذلك؟!.
ما زال الأمريكيون و«العالم كله» يتذكر أن ترامب لم يعترف حتى الآن بنتيجة الانتخابات السابقة التى خسرها، وما زال مشهد اقتحام الكونجرس ماثلاً فى الأذهان، وما زال تهديده بأن خسارته الانتخابات مرة أخرى تعنى «حمامات الدم» فى مدن أمريكا، يقول: إن المخاوف حقيقية، وأن كل شىء مُحتمل فى هذه الانتخابات.

نوال مصطفى تكتب : صباح الأحد
أنباء متفائلة.. ولكن
قلة أدب وسوء تربية!






