فى ذكرى عميد الأدب العربى «طه حسين» رمزا للإرادة والإصرار

 طه حسين رمزا للإرادة والإصرار
طه حسين رمزا للإرادة والإصرار


«فقد قضى على الناس أن يموت منهم من يموت، ويحيا منهم من يحيا، وأن تكون الذكرى هى الصلة بين أولئك وهؤلاء، وأن يكون فى الذكرى كثير من الحزن والألم، وقليل من الراحة والدعة وأن تعمل الأيام عملها على كر النهار ومر الليل، فيسعى العزاء إلى النفوس شيئا فشيئا، فيقرها ويهدئها ولعله ينتهى بها إلى النسيان» تلك الكلمات وثقها وآمن بها عميد الأدب العربى طه حسين فى روايته الحب الضائع، وفى الذكرى الـ 51 لوفاته تستعرض الأخبار لمحات ومواقف نادرة أثرت فى حياته ولم يعرفها الكثيرون عن عميد الأدب العربى طه حسين.

كان مميزًا منذ طفولته، ولكن فى تلك المرحلة لم ير أن تميزه شيء جيد، ولكنه شعر بالمعاناة بسبب ما تعرض له من إهمال فى علاج عينيه، أدى به إلى العمى، ولم يؤثر ذلك على نظره فقط، ولكن رؤيته للأمور كطفل كانت مختلفة، فقد كان بالغ الحساسية لكل فعل من أسرته وأقاربه، وازداد أثر ذلك فى نفسه بتنمر أقرانه فى القرية، فتحول من الطفل المسالم صاحب الإعاقة إلى الماكر صاحب الخطط ،ورد لكل من تنمر عليه جزاء فعلته، ولكنه لم ينس يوما تلك الفترة الصعبة من حياته، حتى إنه صرح لمحرر آخر ساعة عام خمسة وستين، بأنه رفض شراء البيت الذى نشأ  فيه بمحافظة المنيا، لأنه لا يريد استعادة ذكريات طفولته المرتبطة بفقده لبصره، ولكنه أكد أن ذلك الاختبار بفقد البصر كان سببًا ليكون عنيدًا، ومثابرًا للوصول إلى أهدافه العلمية والحياتية، ولم ييأس فى تحقيق أى شيء آمن به.وروت «سوزان بريسو».. زوجة «طه حسين» فى كتابها «معك» أن ارتباطها لم يتم بيسر، فقد عانى «حسين» كثيرًا لإتمام الزواج، حيث بدأت قصتهم عام 1915، عندما تعرفت «سوزان بريسو» عليه، وكان فى حاجة إلى من يقرأ له الكتب، والمراجع التى تساعده على إتمام دراسته العليا، فأقدمت على مساعدته، وتوطدت علاقتهما من الزمالة إلى الصداقة، وصولا إلى الحب، وأكدت «بريسو» أنه لم يكن ثمة شيء فى ذلك اليوم ينبئها بأن مصيرها كان يتقرر، ولم يكن بوسع أمها التى كانت بصحبتها أن تتصور أمرا مماثلا، وكانت على شيء من الحيرة، إذ لم يسبق لها فى حياتها أن كلمت أعمى، وبعد وقت قصير، قرر «طه حسين» أن يتقدم لطلب يدها للزواج، ولكنه فوجئ برفض أهلها رفضًا قاطعًا، فكيف لابنتهم الفرنسية المسيحية الجميلة أن تتزوج بشاب عربى مسلم وأعمى..
حزن عميد الأدب العربى حزنًا كبيرًا بعد هذا الرفض الصادم ،فلم يكن يتوقع أن المجتمعات الغربية أيضًا لديها نفس معتقدات، وعادات العرب، أو أنهم سوف ينفرون منه كونه أعمى، ولكن على الجانب الآخر كانت «سوزان» تحاول إقناع أهلها، حتى ساعدتها والدتها فى إتمام زواجها بعميد الأدب العربى «طه حسين».


وظلت» سوزان» تقرأ لعميد الأدب العربى حتى وفاته فى أكتوبر 1973، وعقب وفاته لم تستطع العيش فى منزلهما الذى تحول إلى متحف، ومركز ثقافى باسم «رامتان»، وانتقلت للعيش مع ابنتها فى حى الزمالك.


ورغم تعرض «طه حسين» للظلم فى مراحل متفرقة من حياته، استطاع بقوة إرادته، ومساندة زوجته، وأصدقائه، وتلاميذه أن يواجه أى صعاب، وظل كذلك حتى فارق الحياة عقب اندلاع حرب أكتوبر 1973 بـ 22 يوما.
فى ذلك الوقت قررت الأمم المتحدة منح عميد الأدب العربى، جائزتها مع خمسة علماء آخرين لكن الموت لم يمهله فبعد سماعه نبأ التكريم العالمى بساعات فارق الحياة، ولم يدفن يوم وفاته رغم أنه فارق الحياة فى صباح يوم 28 أكتوبر 1973، ولكنه انتظر حتى الأربعاء 31 أكتوبر، ولم يكن يعلم الكثيرون ما السبب فى ذلك الانتظار، فترددت الكثير من التساؤلات التى لم تجب عنها أسرة طه حسين فى ذلك الوقت، إلا أنهم ذكروها فى مذكراتهم مع عميد الأدب العربى بعد وفاته، وكان السبب الأول عدم وصول ابنته «أمينة» التى كانت فى الولايات المتحدة الأمريكية لحظة موت أبيها، وكانت عودتها إلى مصر تستغرق وقتا، والسبب الثانى هو الترتيب لجنازة مهيبة تليق بعميد الأدب العربى ، بالتنسيق مع الحكومة ورئاسة الجمهورية، ولأن ذلك الوقت كان التركيز كله فى الجبهة فاستغرق الترتيب بعض الوقت.


ونشرت «الأخبار» فى 1 نوفمبر 1973، أن جثمان عميد الأدب العربى وصل إلى جامعة القاهرة فى تمام العاشرة صباح الأربعاء 31 أكتوبر، ووضع فى مدخل قاعة الاحتفالات الكبرى، التى توافد عليها المشيعون حتى امتلأت عن آخرها، وفى الشرفة الرئيسية جلست زوجته «سوزان بريسو»، وابنته «أمينة» وتلميذته «سهير القلماوي»، وسيدات هيئة التدريس ،والسلك الدبلوماسى، وقرينات الوزراء، وشُيعت الجنازة المهيبة من حرم جامعة القاهرة العريقة.