يوميات الأخبار

أنقذوا كنوز النمر!

د. ياسر ثابت
د. ياسر ثابت


تشبه الموسيقى انعطاف الليل، وفائض الحنين، والذكريات غير المتوقّعَة، ونبوءات الشغف، وحرائق الأفكار والمشاعر والأشياء والعرى الأعمى.

سعدتُ للغاية باهتمام مؤسسة الرئاسة بالحالة الصحية للدكتور عصمت النمر، وهو فى الأصل طبيب شغل منصب رئيس قسم الجراحة فى مستشفى الزقازيق، فضلًا عن كونه شاعرًا وناقدًا موسيقيًا يعرفه المهتمون بالتراث الغنائى فى مصر.

وإذا كنا نشيد بحرص مؤسسة الرئاسة ووزارة الصحة على توفير الرعاية الصحية اللازمة للدكتور عصمت، فإن من المأمول الاهتمام بمشروع هذا المؤرخ الموسيقي، الذى يمتلك أرشيفًا صوتيًا بالغ الأهمية لفترة من أهم فترات تاريخنا بعد ثورة 1919 يسجل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى شكل أعمال من الأدوار والطقاطيق، والمارشات والسلامات والموشحات والتواشيح ودولة التلاوة... إلخ.

الشاهد أن كل القنوات الأرشيفية متاحٌ لها التاريخ فى شكل كتب ومجلات وصحف، لكن لا يوجد لديها أرشيف صوتى لمرحلة ما قبل 1934 ودخول الإذاعة؛ إذ إن العثور على هذه الأسطوانات صعب المنال. فى المقابل، عمل د.عصمت النمر على مدار عقود على جمع التراث الموسيقى النادر لمصر وحفظه وأرشفته من مكتبات وجامعات دولية، ومنصات بها تسجيلات لتلك الأسطوانات لكل العالم فى فترة العشرينيات ونهايات القرن التاسع عشر.

يكفى القول إن هذا الرجل يمتلك أكثر من 10 آلاف ملف صوتى لتاريخ مصر، بعضها غير موجود أو متاح إلا لديه.

وإذا كان هذا الطبيب المؤرخ للفن والموسيقى قد عرض هذا التراث الصوتى والموسيقى للبيع تحت وطأة حاجته للإنفاق على علاجه، فإننا على ثقة بأن الدولة لن تألوا جهدًا لكى تتبنى مشروع جمع التراث الموسيقى النادر لمصر، وهو ما يكمل مسيرة هذا الطبيب السبعينى الذى لن يسره شيء أكثر من أن يجد رعاية رسمية للجهد الذى أنفق عمره للحفاظ عليه.

ففى الموسيقى، تصنع جنتك وترى العالم بعينى طائر. هى بسملة الطفولة وعناق الشباب ورائحة عمر الأربعين وحلم سنوات الخمسين وما بعدها. وحين يبدأ العزف تتذوق رحيق العالم.

فى الغناء تتعلّم تجويد الحنين وقراءة دفاتر الشوق والأمل.

اللحن الجميل سفينةٌ تتهجى عذوبة النهر، والموسيقى الحالمة نخلةٌ فرت من الطوفان. والأغنية المدهشة ترتل النوتات وتُنشِد النصوص التى ترتج فى قلب الشاعر.

تشبه الموسيقى انعطاف الليل، وفائض الحنين، والذكريات غير المتوقّعَة، ونبوءات الشغف، وحرائق الأفكار والمشاعر والأشياء والعرى الأعمى.

إنها عنوان الأمل وفى أوقاتٍ أخرى مرآةٌ هائلة لليأس. إيقاعاتٌ تتوسّل المرحَ والخفّة واللّوعة الإنسانية، أو تنشدُ الحرية وتتغنى بالأبطال. وكما أن القصائدُ جراحُ الشجاعة، فإن الموسيقى هى مقياس المتعة وميزانُ الألم. هى طائر الفينيق الذى يستضيف غابة الحياة.

فى الموسيقى نتذوق نكهة الحياة، ونكتب سيرة الأرض، ونمرُّ تحت قوس البذرة وندركُ طفولة النهار. هكذا نتجاوز مرحلة الأذن والطرب، لنصل إلى مستوى الشفافية والانعتاق.

إنها إذابة كاملة للشعور الإنساني، وتفكيك للدهشة، وشعور بالتأمل على كل ما عداه من حواس، ولحظات من التوارى الطوعى خلف أفقٍ غير منظور. 
تكاد تحسُ فى الإيقاع الساحر بدفقةٍ شعورية عارمة تُجمِّد الأشياء وتُجبر الجميع على الانتظار.

الموسيقى، إذن، تضيء جنبات الغرفة المظلمة فى أرواحنا وحياتنا، وتفتح الغرف الموصدة على الدوام.

ولا عجب أن نجيب محفوظ، أديب مصر الأشهر- ذهب فى هذا المدى إلى آخره، حين قال فى مقالة نقدية له (مجلة «الرسالة»/العدد 635/القصة عند العقاد، 3 سبتمبر 1945):

«الفن -أيًا كان لونه وأيًا كانت أداته- تعبيرٌ عن الحياة الإنسانية، فهدفه واحد وإن اختلفت كيفية التعبير تبعًا لاختلاف الأداة، وكل فن فى ميدانه السيد الذى لا يُبارى، ففى عالم اللون التصوير سيدٌ لا يعلى عليه، وفى دنيا الأصوات الموسيقى سيدٌ لا يُدانى وهكذا، فالفنون جميعًا تتفق فى الغاية وتتساوى فى السيادة كل بحسب مجاله، وهى فى مجموعتها تكون دنيا الأفراح والمسرات والحرية».

 فى صحة إفريقيا!

فى الوقت الذى يبدو فيه التاريخ الطبى والسجل الصحى جزءًا لا يتجزأ من انتخابات الرئاسة فى بلدٍ مثل الولايات المتحدة، لضمان تمتع المرشحين الرئاسيين كاملا هاريس ودونالد ترامب بالقدرة البدنية والعقلية اللازمة لتولى منصب الرئيس، يبدو هذا الأمر غائبًا أو مستبعدًا فى القارة الإفريقية.

 من الواضح أنه فى القارة السمراء، ولأسباب تتعلق بالقوة والهيمنة، لا يمكن للزعماء والقادة إظهار الضعف أو الهشاشة. نستدعى فى هذا السياق قول أديكى أديباجو، الأستاذ بجامعة جوهانسبرج، إن الزعماء فى القارة «يعطون الانطباع بأن صحة بلدانهم مرتبطة بصحتهم الشخصية»، وأن مرض الزعيم غالبًا ما يتم التعامل معه باعتباره سرًا من أسرار الدولة.

يتصور هؤلاء إنه إذا حدث لهم أى شيء، فإن هذا قد يعنى فراغًا فى القيادة يمهد إلى صراع على السلطة.

ربما حان الوقت كى تكون الشفافية، حتى بالنسبة لصحة القادة، من أصول المعادلة السياسية فى إفريقيا.

 الفن.. والشهر الوردى

يغفل البعض أهمية الآداب والفنون فى التنوير ونشر الوعى  بشأن كثير من التحديات النفسية والجسدية المختلفة، ومن بينها الأمراض.
نعم، فقد لعب الفن والأدب -على سبيل المثال لا الحصر- دورًا مهمًا فى  تعزيز الوعى بسرطان الثدي، الذى يعد شهر أكتوبر الشهر الوردى للتوعية بهذا المرض. 

ويستضيف قصر فرانتشيتّى فى البندقية بإيطاليا حاليًا وحتى نوفمبر المقبل، معرض Breasts الذى يسلط الضوء على موضوعات متعلقة بسرطان الثدى من خلال مجموعة متنوعة من الأعمال الفنية التى تشمل الرسم والنحت والتصوير الفوتوغرافى. يشارك فى المعرض فنانون مثل شارلوت كولبيرت التى عرضت منحوتة تعبر عن تجربة استئصال الثدي. يهدف المعرض إلى إثارة النقاش حول صورة الجسد وتمكين النساء والتوعية بأهمية الكشف المبكر.. فى مجال الشعر ، نجد أن قصائد الشاعرة الأمريكية سوزان ميلر تُعبِّر عن تجربتها مع المرض.

أما فى مجال القصة القصيرة فهناك مجموعة قصص قصيرة شاركت فيها مجموعة من الكاتبات مثل كيت موس وسيسيليا آهرن، تتناول قصصًا حقيقية ملهمة لناجيات من المرض ويعود ريع مبيعاتها لدعم جمعية «كانسر كير» الخيرية.

وفى المسرح، أنجز المسرح البحرينى قبل سنوات عدة مسرحية بعنوان «درب المصل» تتناول هذه التجربة القاسية والمؤثرة.

وتعد الحفلات الموسيقية مصدر ريع مهمًا لتمويل أبحاث السرطان.

ربما يكون هذا دافعًا لمزيد من المشاركة الأدبية والفنية الفعالة فى بلادنا للتوعية بمخاطر الكثير من الأمراض والأوبئة وغيرها من الموضوعات التى تنتظر من يدعمها ويساهم فى نشر الوعى بشأنها.