عشت هذا الحلم فى خيالى، وعندما أفقت وانتبهت ابتسمت وقلت لنفسى: لو فزت به لكان أهم حوار صحفى أجريته فى حياتى.
مئات القصص نسجت خيوطها حول مشهد الكلب ـ الذى أرجع البعض أصوله للفراعنة - بعد أن صعد كل درجات هرم خوفو (الأكبر بين الأهرامات الثلاثة). لم يكن الاهتمام بالقصة مصريًا فحسب، بل كان الاهتمام العالمى أكبر بالواقعة الغريبة.
كل الصحف والمنصات الإخبارية والمحطات التليفزيونية حول العالم نشرت القصة مصحوبة بصور الكلب، والفيديوهات التى التقطت له فى رحلة النزول من فوق القمة، بعد أن قضى هناك يومين كاملين! ماذا حدث خلالهما؟ كيف عاش؟ ماذا أكل؟ وماذا شرب؟ وكيف عرف الطريق الآمن نحو قاعدة الهرم؟
وبدأ الكثير من الأجانب يعرضون مبالغ كبيرة من أجل أن يحصلوا على هذا الكلب العبقرى، أو مقابل أن يلتقطوا صورة معه. أنا شخصيًا غصت فى تأمل ما حدث، وتقمصت شخصية الكلب، فى محاولة للدخول فى أعماقه والوصول إلى الشيء الذى كان يفكر فيه فى تلك اللحظة التى قرر فيها القيام بمغامرته الكبيرة هذه. هل كان خارجًا من قصة حب مكسور القلب، بعدما هجرته كلبته الأنتيم؟ هل نادته جذوره الفرعونية القديمة ليعيش حلم يقظة رأى فيه عروس النيل تنتظره هناك فوق قمة الهرم؟ هل فكر فى أن يختلى بنفسه فى عزلة مهيبة يحرسه خلالها الملك خوفو نفسه، يرى الناس من فوق، هؤلاء الذين يضايقونه كثيرًا، ويستهينون به باعتباره فى نظرهم مجرد كلب. هل أحب أن يشعر بنشوة الوصول إلى القمة، ليست أى قمة بل قمة الهرم الأكبر؟ هل وهل؟ أسئلة عديدة قفزت إلى رأسى وأنا أتأمل هذا الكلب الفيلسوف، وتمنيت لو أننى ممن يعرفون لغة الحيوان لأكلمه، وأجرى حوارًا معه. عشت هذا الحلم فى خيالى وعندما أفقت وانتبهت ابتسمت وقلت لنفسى: لو فزت به لكان واحدًا من أغرب وأهم الحوارات الصحفية أجريتها فى حياتى: (حوار مع صديقى الفيلسوف).
عهد دميانة
يفتتح دكتور أسامة عبد الرءوف الشاذلى روايته «عهد دميانة» بمقولة شهيرة لمحيى الدين بن عربى (أدين بدين الحب أنَّى توجهت ركائبه، فالحب دينى وإيمانى) يعقبه مفتتح آخر كتبه كتقديم قصير لرائعته (كونى مصريًا يجعلنى أنتمى إلى مائة مليون مصرى. كونى عربيًا يجعلنى أنتمى إلى نصف مليار عربى. كونى مسلمًا يجعلنى أنتمى إلى مليار ونصف مسلم. كونى إنسانًا يجعلنى أنتمى إلى ثمانية مليارات من البشر).
قرأت «عهد دميانة» التى سحرتنى أجواؤها، وانتزعتنى لغتها القوية النابضة بالشاعرية من عالمى لتلقى بى فى طرقات التاريخ، وبالتحديد أواخر عصر الدولة الفاطمية فى مصر وكما حددها الكاتب نفسه (تدور هذه الرواية بين عامى 1146 و1161 ميلادية) . «عهد دميانة» ليست رواية تاريخية، لكنها إنسانية، فلسفية، مسرح أحادث الرواية يدور فى الصعيد، حيث تعيش الشخصيات من المسلمين، المسيحيين، واليهود فترة حرجة فى تاريخ مصر سادها الصراع القومى والمذهبى والعرقى، نمضى مع أبطالها لنتعرف تفاصيل رحلتهم فى البحث عن الهوية بين عشرات الانتماءات التى تفرقهم.
إنها ليست الرواية الأولى للدكتور أسامة الشاذلى، فقبلها كتب رواية «أوراق شمعون المصرى» وهى كذلك رواية فارقة، مختلفة، ولافتة إلى وجود كاتب من أصحاب القامات الرفيعة فى الأدب. كاتب ينتظره الكثير من المفاجآت.
أولها أن عمله الأول «أوراق شمعون المصرى» الذى نجح نجاحًا كبيرًا، وتصدر قوائم الأكثر مبيعًا على مدار الأعوام الثلاثة الماضية جارٍ تحويله إلى عمل درامى الآن. وهذا ما أتوقعه أيضا لـ «عهد دميانة» هذا العمل الفذ، أراه مرشحًا للحصول على جائزة أدبية رفيعة، وكذلك لأن يتحول إلى فيلم أو مسلسل تليفزيونى، ليس انحيازًا للكاتب أو الرواية، ولكن انتصارًا واحتفاءً بالعمل المتقن، الذى استوقفتنى فصوله، وٍأسلوب كاتبه كثيرا، ما هذا الجمال فى اللغة؟ المفردات المشحونة بالمعنى، التمكن والمقدرة العالية فى وصف المشاعر والمشاهد.
معلومة صغيرة أحب أن أذكرها عن أديبنا الكبير، وهى إنه كذلك طبيب، وأستاذ جراحة العظام بكلية الطب جامعة عين شمس، ويعد من رواد جراحات القدم والكاحل بمصر والوطن العربى. وفوق كل هذا وذاك فإنه يقوم بتدريس مادة تاريخ الطب بكلية الطب فى جامعة برشلونة.
سيد درويش لا يزال حيًا
دعانى الكاتب الصحفى، القدير خيرى حسن لندوة حول مؤلفه الجديد «سيد درويش.. المؤلف الحقيقى للنشيد الوطنى». رحبت بالمشاركة فى الندوة كمتحدثة عن الكتاب ضمن نخبة من الكتاب، وذلك لعدة أسباب، أولها : عنوان الكتاب الذى يحمل اسم فنان أحبه، رائد فى مجاله، أحدث ثورة موسيقية فى مصر، والدليل أن ألحانه وأغنياته حية فى قلوبنا وذاكرتنا، ثانيها: أننى قرأت الكتاب نفسه الصادر عن «كتاب اليوم»، وأعجبنى تناول خيرى حسن للموضوع، وتضفير القضية التى أراد أن يثبتها ويوثقها من خلال كتابه بحكايات رائعة عن سيد درويش، حياته، التحديات التى قابلته، الفن الذى كان يتدفق منه تلقائيًا وكأنه ذائب فى خلاياه، شطحاته، تقلباته، آلامه، أحلامه.
ثالثها: أن الندوة تقيمها نقابة الصحفيين المصرية، ضمن معرض الكتاب الذى أسسته اللجنة الثقافية بالنقابة بقيادة رئيسها الكاتب الصحفى محمود كامل. وهنا أود أن أسجل إعجابى وامتنانى الشديد للجهد المبذول فى هذه اللجنة، يكفى ما حدث فى المعرض الأول للكتاب الذى أقامته وشاركت فيه كبرى دور النشر فى مصر. وكانت ندوة سيد درويش ضمن برنامج فاعليات المعرض، شارك فيها نخبة من المتحدثين: الكاتب محمد أبو شامة، والكاتب الصحفى نادر عيسى، ومؤلف الكتاب خيرى حسن وأنا.
أما الكتاب المدهش، فقد وجدت نفسى مع صفحاته وفصوله أعود بسيارة الزمن مائة عام إلى الوراء! أعيش أجواء مقاهى كوم الدكة فى الإسكندرية، أسمع الآذان بصوت الشيخ سيد درويش فى مسجد الشوربجى، وأشاهد حكاياتٍ وقصصًا مثيرة وشائقة حصلت بين الشيخ حسن الأزهرى، والطفل سيد درويش.
شعرت أننى أرى سيد درويش كما لم أره من قبل فى كتاب قرأته عنه أو فيلم تناول قصة حياته. استخدم الكاتب أسلوبه الروائى فى كتابه سيرة روائية عن سيد درويش وهو يدافع عن حقه فى نسب النشيد الوطنى المصرى إليه باعتبار أنه هو كاتبه الحقيقى.
الكتاب هدفه الرئيسى هو تقديم أدلة دامغة على نسب نشيد بلادى بلادى إلى الشيخ سيد درويش، وهو تحقيق استقصائى معمق لكشف الحقيقة، بذل فيه الكاتب جهدًا كبيرًا فى البحث عن الأدلة والوثائق القديمة، قرأها جيدًا واستخلص التناقض والمغالطة من داخل الوثائق نفسها. فهو يريد أن يصل إلى الحقيقة من وجهة نظره، وهى أن سيد درويش هو كاتب نشيد بلادى بلادى وليس الشيخ محمد يونس القاضى.
بالإضافة إلى الهدف الرئيسى للكتاب، روى الكاتب قصصًا غاية فى الروعة مرت فى حياة سيد درويش، منها مثلا إنه اضطر بعد موت والده لأن يعمل فى كل شيء وأى شيء حتى يستطيع أن ينفق على أمه وأخوته الصغار، فعمل «عامل بناء» فى مناولة المونة، يحمل القصعة ويصعد بها إلى الأدوار العليا، وعندما ينهكه هذا العمل الشاق كان يجلس قليلًا ليستريح مع رفقائه فى العمل ويغنى، كان صوته الجميل وأغنياته تبث البهجة والعزم فى كل من حوله، فيعاودون العمل بروح حماسية، وينجزون أكثر وأسرع.
لاحظ رئيس الأنفار هذا، فقال له «أنت تغنى وبس. ما تشتغلش، أنت صوتك جميل، وما يليقش عليك الشغل ده، حتاخد أجرك كاملًا، وتغنى للعمال عشان تحمسهم». عرفت كذلك أن أم سيد درويش كانت تحمل إسمًا جميلًا (ملوك بنت عيد) وأن الشيخ سيد درويش كان مؤذنًا فى مسجد الشوربجى بالإسكندرية. تزامن صعوده فى عالم الموسيقى مع بداية الحركة الوطنية فى مصر واتساع نطاق المقاومة الشعبية والسياسية. وشهدت أحياء الإسكندرية وخاصة كوم الدكة قصة شاب معجون بالفن والعبقرية، واجه الظروف الصعبة، وأصبح أهم موسيقيى القرن العشرين.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







