خطة حرب أكتوبر في «كراسة» الجنرال النحيف المخيف

■ مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي - نصر أكتوبر يبتلع هزيمة يونيو
■ مذكرات المشير محمد عبد الغني الجمسي - نصر أكتوبر يبتلع هزيمة يونيو


سوف تتوقف كثيرًا المحاضرات والندوات التي يتم تدوينها فى الكتب والموسوعات ويتم تداولها في الكليات الحربية ومراكز البحوث العسكرية أمام اسم القائد العسكرى الفذ المشير محمد عبد الغني الجمسي الذى صنفته مجلة عسكرية أمريكية ضمن أقوى 50 قائدًا عسكريًا فى التاريخ وفق ما تم تدوينه فى أشهر الموسوعات العسكرية العالمية، ووصفته رئيسة وزراء العدو جولدا مائير بالاتفاق مع وزير خارجية الولايات المتحدة هنري كيسنجر بالجنرال النحيف الصامت المخيف الذي كان له ملف خاص لدى جيش العدو يتتبعه من بداية حياته العسكرية والحروب التى خاضها والمناصب القيادية التى تولاها، ومن أهم النقاط التى رصدها العدو فى ملفه اللحظة التى قدم فيها استقالته من القوات المسلحة عقب هزيمة 5 يونيو 1967 التي كان يشغل فى أثنائها منصب رئيس أركان الجيش الثانى الميدانى، لكن الرئيس جمال عبد الناصر رفض قبول استقالته إدراكه لكفاءة الجمسي العسكرية، ويقول الجمسي فى مذكراته إنه عندما تم استدعاؤه لمقابلة الرئيس فى حضور الفريق عبد المنعم رياض، لم يستطع أن يتمالك نفسه عندما أصبح فى مواجهة الرئيس فدمعت عيناه عندما خرج عن شعوره محملًا الرئيس والمشير عبد الحكيم عامر المسئولية الكاملة عما حدث، وفوجئ بالفريق عبد المنعم رياض يبلغه فى لهجة عسكرية صارمة بأنه قد تم اختياره مع آخرين للإشراف على إعادة تدريب القوات المسلحة والاستعداد لجولة ثانية من المعركة لإزالة آثار نكسة يونيو، جفف الجمسى دموعه واستدار للفريق عبد المنعم رياض ليقدم التحية العسكرية فى إشارة واضحة على التزامه بالتكليفات العسكرية التى أداها بصرامته وجديته على أفضل ما يكون لإعادة بناء الجيش.

عقب وفاة الرئيس عبد الناصر عينه الرئيس السادات رئيسًا للمخابرات الحربية ثم رئيسًا لهيئة عمليات القوات المسلحة وكلفه بدراسة الأوضاع العسكرية ووضع خطة الحرب، عكف الجمسى على دراسة جميع الظروف، وحدد وقت المد والجذر فى القناة، ووضع الشمس فى مواجهة جنودنا ومواجهة جنود العدو، وفتحات النابالم وسبل سدها، ووضع القوات البحرية وإغلاق المضايق، ولم يترك الجنرال الصامت أى شيء للظروف، وعندما اكتملت الخطة فى رأسه لم يجد أمامه سوى «كشكول» ابنته منى الذى دون فيه خطة الحرب كاملة بالتوقيت الأنسب على الجبهتين المصرية والسورية، وقدم للرئيس السادات كشكول ابنته منى الذى دون على غلافه «كشكول هيئة عمليات القوات المسلحة»، فقرأه السادات مداعبًا: «خطة وافية.. ياه مَن يصدق أن كشكول طالبة فى الابتدائية يضم خطة حرب العبور».

◄ اقرأ أيضًا | «حماة الوطن بالخارج» يشارك السفارة الإيطالية انتصارات حرب أكتوبر

وفي صباح السادس من أكتوبر وقف الجنرال الجمسي بغرفة عمليات القوات المسلحة بجوار الرئيس السادات والمشير أحمد إسماعيل والفريق سعد الدين الشاذلى وبقية قادة حرب أكتوبر وهو ينظر للساعة، وفي الثانية تماما صاح باسم الخطة التى شارك فى وضعها مع قيادات بالقوات المسلحة «بدر.. بدر.. بدر». 

وعقب الصدام الذى حدث بين الرئيس السادات والفريق سعد الدين الشاذلى رئيس أركان القوات المسلحة بسبب الثغرة التى أحدثها العدو فى منطقة الدفرسوار، عينه الرئيس السادات رئيسًا لأركان القوات المسلحة، وعلى الفور وضع الجنرال الجمسى خطة تصفية الثغرة التى عرفت باسم «شامل» لكنها لم تنفذ بسبب وقف إطلاق النار، واختاره الرئيس السادات بعد ترقيته لرتبة الفريق أول ليكون رئيسًا للوفد المصرى فى عملية التفاوض على فض الاشتباك بما عرف بمفاوضات الكيلو 101 فى يناير 1974، ورفض أثناء التفاوض تقديم أى تنازلات للجانب الإسرائيلى، وأمام صلابة موقفه التفاوضى نجح هنرى كيسنجر الذى كان يرعى المفاوضات بنفسه فى إقناع الرئيس السادات بسحب ألف مدرعة من الضفة الشرقية لقناة السويس وسحب 70 ألف جندى مصرى، وعندما أبلغه كيسنجر بموافقة السادات على ما يرفضه، اتصل الجنرال الجمسى بالرئيس الذى أكد له موافقته وطالبه باستكمال المفاوضات، وكتب كيسنجر عن هذه الواقعة فى مذكراته قائلًا: نظرت للجنرال الجمسى فوجدت عينه تدمع، وسألت نفسى متعجبًا: «أهذا الذى يدمع هو الذى أكد لى جميع جنرالات إسرائيل أنهم يخشونه أكثر مما يخشون غيره من الجنرالات العرب؟، أهذا الذى تسميه جولدا مائير بالجنرال النحيف المخيف؟!».

ويعترف هنرى كيسنجر فى مذكراته بأن الجنرال الجمسى رد له صفعة تحايله عليه بإقناع السادات بسحب بعض المدرعات والجنود المصريين من الضفة الشرقية إلى الضفة الغربية عندما تعمد إغفال ذكر المدافع المضادة للطائرات والمدافع المضادة للمدرعات فى اتفاق فض الاشتباك وقام بنقل عدد منها للضفة الشرقية، وشهد الجنرال الإسرائيلى عيزرا وايزمان أحد كبار مفاوضى الجانب الإسرائيلى للفريق الجمسى بأنه كان صارمًا وحازمًا ولا يقبل المناورة لدرجة أنه كان يدخل خيمة المفاوضات دون أن يصافح أحدًا من الوفد الإسرائيلى أو يلقى التحية عليهم، وعندما خرج فى إحدى المرات من خيمة التفاوض أسرع وراءه عيزرا وايزمان قائلًا: «سيادة الجنرال بحثنا لك عن صورة وأنت تضحك فلم نجد.. ألا تبتسم أو تسلم علينا»، فرد عليه الجنرال الجمسى بنظرة ازدراء وانصرف من المكان، وقال عايزرا وايزمان عن الجنرال الجمسى فى مذكراته: «الجنرال الجمسى حازم جدًا.. قدمنا اقتراحًا أثناء التفاوض بالانسحاب من سيناء مع الاحتفاظ بمطارات فى رفح والعريش وإنشاء محطات إنذار مبكر لمتابعة النشاط العسكرى المصرى»، فكان رده: «لو بقى الإسرائيليون فى رفح فإن ذلك سيكون الشرارة التى تشعل نار الحرب القادمة، لا يوجد مصرى واحد يوافق على التخلى عن سنتيمتر واحد من الأراضى المصرية، وليكن واضحًا أننا لا نستطيع الاستجابة لاقتراحاتكم بشأن تغيير الحدود».

وعقب وفاة المشير أحمد إسماعيل عينه الرئيس السادات وزيرًا للحربية ورقى لرتبة المشير وظل فى منصبه حتى أقاله الرئيس من منبصه عندما اعترض على قرار نزول الجيش لقمع مظاهرات 17 و18 يناير 1977 وعينه الرئيس مستشارًا له، ومما يذكر أن الرئيس السادات قال له عندما كرمه بوسام نجمة الشرف العسكرية عام 1974: «أنت تصلح لقيادة جيش مصر لمدة مائة عام»، وقد حصل المشير الجمسى على 24 نوطًا وميدالية ووسامًا من مصر والدول العربية والأجنبية، منها وسام التحرير عام 1952، ووسام ذكرى قيام الجمهورية العربية المتحدة 1958، ووسام نجمة الشرف العسكرية 1974، ورحل عن عالمنا بعد معاناة مع المرض فى 7 يوليو 2003 عن عمر يناهز 82 عامًا وتم تشييعه فى جنازة عسكرية مهيبة تكريمًا لقائد من خيرة قادة الجيش المصرى الباسل، وكان المشير الجمسى يعتز بأنه شارك فى كل الحروب التى خاضتها مصر وتكللت بانتصارات أكتوبر 73 التى وصفها قبل وفاته بأنها أهم وسام على صدره، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته. 

من «مذكرات الجمسي»