في الساعة الثانية والثلث من يوم السبت السادس من أكتوبر، انطلقت قاذفاتنا ومقاتلاتنا إلى سماء سيناء في هجوم مركز مفاجيء، دكت مطارات العدو الهامة في سيناء "الميز ومطار تمادة ومطار العريش" والعديد من المطارات الأخرى المتناثرة في الصحراء، وفي اللحظات الأولى كانت هذه المطارات مشلولة تماما بحيث أن طائرات العدو عجزت عن الإقلاع منها، كما تم تدمير مجموعة أخرى من الطائرات فوق الأرض.
في نفس اللحظة كانت بطاريات مدفعيتنا الثقيلة تصب نيرانا مركزة فوق دشم وتحصينات خط بارليف سيلا من النيران الشرسة التي فاجأت العدو تماما، وفاجأت أفراده الموجودين داخل الدشم، أن مدفاعيتنا تمثل بالنسبة لهم رعبا حقيقيا عرفوه من قبل خلال حرب الاستنزاف.
كانت الكلمة العليا في اشتباكات المدفعية دائما لمدافعنا، القدرة على الاستبسال ودقة التصويب وغزارة النيران، وثقة مقاتلينا بمدفعيتنا تجدها فى أحاديثهم المليئة بالإعجاب من ستارات النيران الكثيفة التي يوجهها الرجال ضد العدو، لا يسمع بالجبهة إلا صوت معارك الدبابات وهدير مدافعنا التي تنطلق .
اقرأ أيضا | بين أكتوبر 1973 وأكتوبر 2024.. الدرس الأكبر أن يكون لديك جيش وطني قوي
إن العدو يحاول يأسا تعويض عجز مدفعيته باستخدام الطيران، ولكن الطائرات المعادية لا تستطيع التوغل فوق قواتنا، إنها تأتى من الشرق مذعورة ثم تستدير عائدة، وفى كل هجمات الطيران المعادية كانت حمولات الطائرات تلقى في أماكن بعيدة جدا عن الأهداف المقصود الهجوم عليها، إن العدو يستخدم الآن طائراته كشكل من المدفعية الطائرة عديمة التأثير.
لقد هدرت مدفعيتنا يوم السبت بعنف في وضح النهار، وفي تمام الظهيرة، وفوجىء العدو بقواربنا تعبر القناة محملة بالمقاتلين المصريين، وفي لحظات كانوا ينزلون فوق الضفة الشرقية، عنصر المفاجأة كان كاملا وساحقا فلم يحدث في تاريخ الحروب كلها وفي تاريخ المعارك التي عبرت فيها قوات كبيرة موانع مائية وانهارا ان تم الهجوم في قلب النهار.
واندفعت مجموعات مقاتلينا تطهر حقول الألغام وتزيل موانع الأسلاك الشائكة وتشق الثغرات في الساتر الترابي، في نفس الوقت كانت وحدات المهندسين قد بدأت العمل.
قال أحد المقاتلين من رجالنا الذين شاركوا في إقامة المعابر والكبارى التي انتقلت قواتنا فوقها: تم نصب الكباري تحت حماية مدفعيتنا، لقد ظهرت الكباري والمعابر فوق مياه القناة خلال خمس عشرة دقيقة، وقد حققت وحدات المهندسين هذه المعجزة الفذة في دقائق معدودات بإقامة هذه الكبارى الطويلة التي وصلت الضفتين في هذه الفترة القياسية، وبالطبع سبق هذا خطوات أخرى كانت تمهد لهذه المعجزة بمجرد بدء القصف المدفعي، فالمعدات كثيرة ومعقدة والظروف التي تعمل فيها القوات صعبة، لقد كان وضع المعدات الهندسية في الأماكن المناسبة للهجوم يعود الى الاحساس الاستراتيجي السليم عند قادتنا.
وأضاف أن قواتنا حققت أقصى سرعة في التمركز على الضفة الشرقية قبل أن يتنبه العدو، ولأن الوقت فى مثل هذه العمليات عامل هام وثمين للغاية، وكقاعدة متعارف عليها، فإن بناء الكبارى فوق الموانع المائية الصعبة لا يتم إلا بدفع ثمن باهظ في الأفراد والمعدات وطوال الأعوام الستة الماضية قبل الحرب، كان المعلقون العسكريون العالميون يتفقون على أن عبور هذا المانع الصعب قناة السويس لا يمكن أن يتم إلا بدفع ثمن باهظ وخسائر مرتفعة حدودها أحيانا بسبعين في المائة من القوات، وربما كانوا على حق، فقناة السويس المشتركة أصعب مانع مائي عرفته الحروب وخط بارليف أعقد وأمتن الحصون الدفاعية التي تم إنشاؤها.
وفي يوم السبت أيضا بدأت طوابير من المدرعات والدبابات تزحف مزمجرة في اتجاه الشرق، أعداد ضخمة من قطع المدفعية، كانت القوات تتجه إلى القناة تحت قصف مركز من مدفعيتنا موجهة ضد المواقع المعادية، وكانت عملية العبور تتم بنظام دقيق وتخطيط علمي رائع، والضباط المصريون الشباب يندفعون متقدمين جنودهم وهم صائمن، كان الجريح من جنودنا إذا سقط يرجو زملاءه ملحا أن يتقدموا وأن يتخذوا من جسده معبرا الى سيناء، حدث هذا حقيقة.
وفوق أحد المعابر كان الفريق سعد الشاذلى يقف بنفسه يشرف على عملية عبور القوات، كان ينتقل بين المواقع المختلفة في نفس الوقت الذي كان فيه كبار القادة يشرفون بأنفسهم على تنفيذ عملية العبور تحت القصف المدفعي والطيران المستميت، لقد حققت القوات المسلحة العملية الصعبة للحشد والمفاجأة لقد تم حشد قواتنا في مواقع قريبة من القناة وبتنسيق مدهش يعكس قدرة فائقة على التخطيط السليم العلمي، وقد شهدت الجبهة مواقف لا يمكن أن تتم الا فى إطار حركة الجيوش المنتصرة، تدفق القوات، تسابق الوحدات إلى الضفة الشرقية، اندفاع المقاتلين إلى أرض المعركة ملوحين بأسلحتهم مهللين مكبرين إذ يصلون إلى الضفة الشرقية.
الألغام
زرع العدو حول تحصينات خط بارليف أعدادا هائلة من الألغام، وفي اللحظات الأولى للقتال اندفع رجالنا يزيلون هذه العوائق عن طريق قواتنا ، كان استطلاعنا قد رصد طوال السنين الماضية كل لغم زرعه العدو في الأرض، ولقد هاجمت قواتنا دشم العدو من قبل خلال حرب الاستنزاف وكان الرجال يفتحون الطرق في حقول الألغام بأجسادهم ويتقدمون لمهاجمة دشمه وتحصيناته.فاستطلاعنا رصد كل شيء.
ومما يعكس انعدام توازن العدو أنه كان قد أعد خزانات مليئة بالنابالم مخفاة على الضفة الشرقية للقناة بحيث يندفع منها النابالم مشتعلا فوق مياه القناة ليحوله الى بحر من النيران بمجرداحساسه بعبور قواتنا، هذه الخزانات التي كان يكفى لتفجيرها أن يضغط أحد أفراده زرا صغيرا لم يجد الوقت ولا الأعصاب ولا القدرة لكي يفعل هذا واستولت عليها قواتنا سليمة لم تمس.
وعندما اقتحم رجالنا الدشم وتحصينات خط بارليف بعد قتال عنيف كان جنود العدو يتسابقون الى الاستسلام في داخل هذه التحصينات كل نقطة قوية تشبه مدينة صغيرة محصنة بدقة الجدران من حجارة ضخمة صلبة كالجرانيت مكسوة بالصلب، الأبواب حديدية مصفحة، والنقطة من الداخل مقسمة كخلية النحل تحوى كل المواد والوسائل التي تتيح لأفراده أن يقيموا إقامة كاملة في حالة تعرضهم للهجوم مدة شهر أو أكثر، وبالداخل توجد أماكن واسعة للنوم ومطعم وسينما وحمامات وغرف استطلاع ومزاغل للرؤية وأسلحة ومدفعية ودبابات، باختصار كل نقطة قوية عالم مستقل بذاته، عالم محصن، ولكن هذه التحصينات القوية لم تصمد أمام هجمات قواتنا.
الرجال
أحد المقاتلين الذين حملوا علما واندفع فوق أعلى النقاط على الضفة الشرقي بالبلطة يحفر الأرض يقوم رافعا يثبت العلم، ذراعيه الى السماء "الله أكبر.. الله أكبر"، آلاف الحناجر تردد الصيحة، مشهد مهيب ويتردد الصدى لمسافة تبلغ عشرات الكيلو مترات يغطى على قذائف المدفعي والانفجارات.
المقاتل سعد أحد مقاتلي المدفعية، ملامح وجهه لم تتغير أبدا عندما ظهرت طائرتان سكاى هوك للعدو تندفعان على ارتفاع منخفض من ناحية الشرق، لم يعبأ بهما وكأن شيئا عادىا، لم يحدث أن الثقة والهدوء والاطمئنان على وجوه مقاتلينا فى مواجهة طيران العدو تتسرب الى النفس بسرعة.
مقاتل آخر "حكمدار دبابة" اشترك فى المعركة التي تم خلالها تدمير وأسر اللواء ۱۹۰ المدرع، رأى بعينيه كيف جرى جنود العدو تاركين دباباتهم سليمة تماما.
وأضاف أن آلاف الوجوه السمراء منهم الفلاح وخريج الجامعة والموظف والطبيب والصنايعى والعامل فى خان الخليلى وعامل النظافة والمهندس والمحامى جاءوا من مشتول السوق وجهينة ومطاى وقنا والشهرية وتلا والجمالية والدقى، هؤلاء هم أبناء مصر صناع الحضارة دائما والمدافعون عنها أبدا ضد كل عدوان همجى، وفى الطريق كان المقاتلون يرفعون أيديهم ملوحين، كل الانظار تتجه الى الشرق. القلوب تخفق في ايقاع واحد، إنها حلاوة النصر.
المصدر مركز معلومات أخبار اليوم

92عامًا من صناعة الوعي .. ذكرى تأسيس الإذاعة المصرية أكبر خزائن الزمن الجميل
أبو ضحكة جنان.. مأساة «أيقونة الكوميديا» إسماعيل ياسين
سليمان نجيب.. لماذا رفض الزواج طوال حياته؟







