زاوية مستقيمة

احتفال مختلف.. بالدرع والسيف

ماجد حبته
ماجد حبته


غدًا، الأحد، تحلّ الذكرى الحادية والخمسون لنصر أكتوبر المجيد، الذى كان «تأديبًا وتعذيبًا لإسرائيل»، بوصف جريدة «التايمز» البريطانية، والذى قهرنا فيه كيانًا ظنّ صانعوه أنه لا يُقهر، أو أرادوا أن يجعلوه كذلك. واستباقًا لهذا اليوم، احتفلت مصر، أمس الأول، الخميس، بتخريج دفعات جديدة من الكليات العسكرية، لأول مرة، من مقر القيادة الاستراتيجية للدولة، الـ«أوكتاجون»، فى العاصمة الإدارية الجديدة، بحضور الرئيس عبدالفتاح السيسى والشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات الشقيقة، وريث وخليفة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، حكيم العرب، شريكنا فى النصر.

فى تمام الساعة الثانية ظهر يوم 6 أكتوبر 1973، بتوقيت القاهرة، وصل الخبر بأن طائراتنا عبرت قناة السويس، بينما كانت 222 طائرة، تفوق سرعتها سرعة الصوت، قد انتهت من ضربتها الأولى فى ثلث ساعة بالضبط، محققة نتائج مذهلة، ممهدة الطريق لأبطال قواتنا المسلحة، حتى يحققوا ذلك النصر، الذى أعاد لنا الثقة الكاملة فى قدراتنا، واستعاد ثقة العالم فيها. وتضيق المساحة عن شرح «كيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة ساد فيها الظلام، ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق حتى تستطيع أمتهم أن تعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء»، كما تضيق المساحة، أيضًا، عن استعراض ما حققه المصريون، خلال السنوات العشر الماضية، بالتماسك وتحمل الصعاب، من أجل بناء قوتنا المسلحة، للحفاظ على سلامة هذا الوطن الغالي، و«تبديد أى أوهام لدى أى طرف»، لو كُتب علينا القتال، الذى هو كُرهٌ لنا، وسيظل كذلك، مع ثقتنا الكاملة والمطلقة فى تحقيق نصر جديد، يفوق ما حققناه سابقًا.

ما حققته مصر فى حرب أكتوبر كان، حرفيًا، وسيظل أبد الدهر، شاهدًا على قوة إرادة الشعب المصرى وكفاءة قواته المسلحة، وقدرة المصريين على التخطيط الدقيق والتنفيذ المحكم. وفعلًا، كان أبرز «الدروس المستفادة من حرب أكتوبر تتعلق بالرجال وقدراتهم، أكثر ما تتعلق بالآلات التى يقومون بتشغيلها»، بحسب الجنرال السير أنتونى هيرتيدج فارار هوكلي، الذى حارب ضدنا فى العدوان الثلاثي، سنة 1956، وكان يتولى قيادة الفرقة الرابعة فى جيش الراين البريطاني، المعروف اختصارًا باسم «باور»، بين 1971 و1973، قبل أن يعود إلى وزارة الدفاع مسئولًا عن التطوير القتالى فى الجيش البريطاني، و... و... وما يعنينا، الآن، هو أنه خلال تقييمه لحرب أكتوبر، قال إن الإنجاز الهائل، الذى حققه المصريون، هو عبقرية ومهارة القادة والضباط والجنود، الذين قاموا بعملية هجومية جاءت مفاجأة تامة للطرف الآخر، مع أنها تمت تحت بصره، وأكملوا، بروحهم المعنوية العالية، ليحققوا ما ظنه البعض مستحيلًا. الوضع صار مختلفًا، الآن، بالطفرة النوعية، تنظيمًا وتدريبًا وتسليحًا، التى شهدتها قواتنا المسلحة، خلال السنوات العشر الماضية، والتى رفعت قدراتها وكفاءتها وجاهزيتها، وأتاحت لها أن تواصل سيرها على طريق النصر، المؤكد، بأحدث منظومات القتال فى العالم، وبقدرات غير مسبوقة، متنوعة المصادر فى كل المجالات، البرية والبحرية والجوية والدفاع الجوي. ما يعنى، ببساطة، أننا مستعدون للتعامل مع هذا المشهد الضبابي، الذى تعيشه المنطقة، وقادرون على مواجهة أى تحديات يمكن أن تؤثر على أمننا القومي.

القوة، أو السيف، إذن، كما قال الشاعر العربى القديم أبو تمام، أصدق إِنباءً من الكتب. والسيف، عند العرب، لم يكن مجرد أداة قتالية، بل كان رمزًا للعزة والكرامة، وقاموا من خلاله بتوثيق تاريخهم الطويل، وستجد فى القاعة الرابعة بمتحف «محمد علي» سيوفًا تستعرض فترة حكمه. والإشارة، هنا، قد تكون مهمة إلى أن مربع العلم الأمريكى الأزرق، كان لا يزال يضم 24 نجمة فقط، هى كل عدد الولايات المتحدة، حين أقام محمد على احتفالًا رسميًا، فى 29 أكتوبر 1822، قدّم فيه العلم لقائد الجيش المصري، وقال تلك الخطبة التى ظل يلقيها على كل «آلاي» جديد ينضم إلى جيش مصر الوطني: إن هذا العلم رمز النصر، ورمز العزة، ورمز الحياة، ورمز الإيمان.

فلا تبالوا بالموت حتى تضعوه فى موضعه. لا يسقط العلم وفى واحد منكم رمق من الحياة. فإذا سقط ـ لا قدر الله ـ فليكن فى البقعة التى فيها تموتون. هؤلاء هم رجال قواتنا المسلحة المصرية، تلك المؤسسة الوطنية العريقة، التى لم ولن تتخلف يومًا عن التصدى لتحمل المسئولية، مهما ثقلت، أو عن تأدية الأمانة، مهما بلغت، منذ تأسس هذا الجيش العظيم، ووصولًا إلى من تخرجوا أمس الأول، الخميس، لينضموا إلى ساحات الشرف والبطولة، مدافعين عن أمن مصر وسلامة شعبها، بعد أن تم إعدادهم، وفقًا لأفضل وأرقى المستويات العسكرية والعلمية، وعلى الأساس الراسخ، الذى نبنى عليه، ليبقى الوطن شامخًا والشعب آمنًا، يحيا مرفوع الرأس على أرضه، لا ينقص منها شبر، ولن ينقص بإذن الله، كما وعدنا الرئيس السيسى وتعهَّد لشعبنا العظيم.

..أخيرًا، ومن زاوية مستقيمة، هى أقصر مسافة بين نقطة وأخرى، نرى، مجددًا، أن هذا الوطن يستطيع أن يطمئن ويأمن بعد خوف، لأنه أصبح له درع وسيف، منذ أن استردّه وزير دفاعه، قائد جيشه، فى 3 يوليو 2013، بتكليف أو أمر أصدره الشعب، خلال ثورة 30 يونيو المجيدة. وقطعًا، لو لم يكن لنا درع وسيف، لقضينا باقى عمرنا تحت الاحتلال، أو فوق طاولة قمار، يلعب على مقدراتنا مقامرون، كهؤلاء الذين يتفاوضون أو يلعبون، الآن، على مقدرات دول شقيقة وصديقة، غير عابئين بمصائر شعوبها.