كان السؤال المزعج للجميع فى عملية تحديث التعليم المطروحة طوال الوقت من أين نبدأ وكيف يقتنع كل المعنيين بهذا التطوير بالفكرة وتطبيقها، وكيف يثقون فى المنظومة بعد عقود من الجمود والهروب من مواجهة الأمر الواقع، فالاقتناع والثقة هما الحافز للدفاع عن - وليس مقاومة - رؤية التطوير، وللحقيقة كل الأسئلة المرتبطة بالتعليم هى حق مشروع والإجابة عليها جميعها يحتاج جرأة من متخذ القرار - وزير التعليم- بعد دراسة متأنية تراعى كل أطراف العملية التعليمية باستراتيجية واضحة وآليات للتنفيذ، وأدوات لقياس وتقييم حقيقى بلا تزييف أو تجميل لما حققناه وما أخفقنا فيه.
ربما لم يتوقع الكثيرون أن يطرح وزير التربية والتعليم محمد عبداللطيف رؤيته بهذه السرعة على الرأى العام، ما فتح النيران التى نالت من الرؤية بل ومن الوزير نفسه، ودارت كرة اللهب دورتها لتبلغ ذروتها ثم هدأت العاصفة، وبدأ العام الدراسى وعيون الجميع مفتوحة تراقب عن كثب وتتتبع لتحكم وتقرر، وتختبر على الأرض تصريحات الوزير ،فماذا جرى ؟ أعدت الوزارة لائحة للانضباط قابلة للتطبيق فى المدارس مع متابعة لتنفيذها وتقارير يتم رفعها دورياً وعمليات تفتيش وراهن الوزير على الأسبوع الثالث من بدء العام الدراسى لاختبار عملية الانضباط وقدرة الوزارة على تفعيل القرارات وآليات المتابعة والتقييم ، تلك القرارات التى جاءت حسب تصريحات الوزير بعّد لقاءات جرت مع ٤٥٠٠ مدير مدرسة تلقى خلالها أكثر من ألف سؤال، و١٢٠ خبيرًا تربويًا هم قوام المجلس القومى للبحوث، ومجالس آباء لعدد من المدارس يمثلون مصر جغرافيًا، مؤكدًا أن هذا كان بمثابة حوار مجتمعي.
بعض الشواهد تشير إلى حالة ارتياح نفسى سادت بين المدرسين رغم الجهد الإضافى والعبء لسد العجز وعادت الروح تدب بين جدران الفصول وأرجاء المدارس، الاهتمام بالواجبات المدرسية أصبح يتصدر اهتمام أولادنا ليجتازوا الاختبارات والتقييم الأسبوعى، والتقييم الصفى، ما يضمن لأبنائنا علاقة آمنة بالكتاب مستقرة ودائمة ومستمرة تنعكس على الاستيعاب وتحصيل العلم، وزالت حالة الخصومة بين التلميذ ومدرسته وانضبطت علاقة المعلم بفصول لم تعد خاوية، واسترد الأستاذ هيبته المفقودة، أعتقد هذا هو العنوان الأبرز الذى انشغلنا به فى أيام الدراسة الأولى هذا العام، فإعادة ضبط هذه العلاقات كانت حديث كل بيت مصرى، وإعادة الانضباط داخل المدارس كان هاجسًا يؤرق المجتمع كله، كيف يتم وبأى وسيلة، فهذه العلاقة تحصد ثمارها بشكل مباشر (ميزانية الأسرة المصرية) فحجم الإنفاق على الدروس الخصوصية يبلغ 47 مليار جنيه سنويًّا، فإذا كانت الوزارة ترفع شعار (التعليم فى المدارس فقط) فهذا يعنى أنه لا سناتر بعد اليوم، بالتأكيد لن يحدث هذا فورًا ولكن يتوقع وزير التعليم أن يحدث التراجع تدريجياً بنسبة ١٠% فى البداية وستزيد النسبة عندما يطمئن أولياء الأمور لجدية وجدوى التجربة بعودة العام الدراسى بواقع ٣٣ أسبوعًا.
لعل الاهتمام بملف التعليم يؤكد أنه قضية وطن فكل مواطن صاحب مصلحة مباشرة فى النهوض به والدولة تراهن على التعليم فى بناء الإنسان والمخصصات المقررة تقول: إن حجم الإنفاق على التعليم قبل الجامعى خلال العام المالى 2023 ، وصل إلى 118 مليار جنيه بينما تم تخصيص 1.8 مليار جنيه لتعيين 30 ألف معلم خلال نفس العام، وإجمالى التكلفة السنوية لبدلات 1.4 مليون معلم بلغ 1.8 مليار جنيه .. و500 مليون دولار دعم لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتطوير التعليم قبل الجامعى بمصر، بينما بلغ إجمالى مخصصات التعليم العالى وقبل الجامعى والبحث العلمى نحو 998.1 مليار جنيه بموازنة العام المالى الحالى 2024 /2025 ..
وتم تخصيص 565 مليار جنيه للتعليم قبل الجامعي، 293 مليار جنيه للتعليم العالى والجامعي، و140.1 مليار جنيه للبحث العلمي، هذا هو حديث الأرقام وتظل الرؤية رهنا بالتنفيذ، ومقياس النجاح يتوقف على مدى قدرتنا على تجاوز التحديات والتوظيف الأمثل للإمكانيات والموارد، ومدى الدعم الشعبى للتوجهات، ومنح التجربة فرصة وزمنًا كافيًا دون أن أن نتربص أو نتعجل النتائج، أو اللجوء لمحاسبة التطوير ( بالقطعة) لنحكم عليه بالفشل.

نوال مصطفى تكتب : صباح الأحد
أنباء متفائلة.. ولكن
قلة أدب وسوء تربية!






