يتفرد الفنان علاء ولي الدين بين أبناء جيله بمكانة خاصة، ليس فقط لملامح إبداع تميز ببساطة أداءه وتلقائيته التي تصل لحد الطفولية، لكن أيضا بقبول يسكن القلوب وظهور مبهج على الشاشة، حتى وإن كان يجسد شخصية تلقي بظلالها على قضية اجتماعية من قلب دراما الواقع أو مأزق إنساني تتأرجح موجاته بين ضحك ودموع.. وسخرية وهزل.
نعم مشروعه الفني الذي طالما حلم به جاء قصيرا، لكنه ظل حاضرا، يستدعيك بشغف دائم لمشاهدة محتواه عبر الأعمال التي قدمها، خاصة على شاشة السينما.. وفي كل مرة تشاهده - حتى ولو كان الدور صغيرا - تدرك أنك أمام كوميديان بالفطرة، وبكل ما منحه الله من موهبة، مثلما شاهدناه في أعمال مثل “سمكة و4 قروش، النوم في العسل، بخيت وعديلة 1 و2، المنسي”.. وغيرها.
في مرحلة أخرى كشف علاء عن وجه مختلف لممثل يملك من العمق الكثير، وهو ما ظهر بالبعد الإنساني في أداءه وهو يجسد شخصية الشاب المصاب بالصرع والموجود في مستشفى الأمراض العقلية في فيلم “أيام الغضب” عام1989 ، مع الفنان نور الشريف، كان جزءا من سيمفونية سينمائية صدمت المجتمع بواقع مخيف، هنا لفت الأنظار بشدة ليبدأ المنتجون وصناع السينما في إدراك أن هذا الممثل يستطيع أن يجسد مساحات تمثيلية مميزة وأكبر تمزج بين الكوميديا والدراما بروح خاصة.
اتذكر الشاب “سمير”، تلك الشخصية التي قدمها في مغامرة الثلاثي عادل إمام ووحيد حامد وشريف عرفة بفيلم “الإرهاب والكباب”، داخل مجمع التحرير، حيث تحول “أحمد فتح الباب” من مواطن يطلب ورقة لنقل أولاده إلى مدرسة أخرى، إلى إرهابي يختطف مَن بداخل المجمع كل فرد فيهم لديه شكوى ومظلمة حقيقية في حياته، وكان أحد شخصيات هذا العمل هو “سمير”، الشاب الذي لديه مشكلة مع زوجته ويريد الانتحار من أعلى مجمع التحرير، شريف عرفة المنحاز لجيله والمحب لكل ما هو جديد، يرشح علاء ولي الدين في هذا الدور، ويبارك الترشيح عادل إمام ووحيد حامد، ويقدم علاء الدور، ويصبح البهجة الحقيقية في الفيلم.
يقدم علاء بعد “الإرهاب والكباب” مشهدًا في فيلم “المنسي”، ويقول له “يوسف المنسي” داخل السينما: “هو أنت بتروح المجمع؟!”، في إشارة لدوره في فيلم “الإرهاب والكباب”، وفي هذا المشهد الشرفي يعمل علاء مع رفقاء عمره محمد هنيدي وأحمد آدم.
وبعد عدد من الأدوار في أفلام مختلفة، يدرك المنتجون والموزعون وقتها أن علاء وهنيدي ثنائي مميز يجب استغلاله، فيقدمهما محمد وأحمد السبكي في تجربة “حلق حوش”، وتكون كل أحلام علاء في ذلك الوقت أن يحافظ على المكانة التي وصل إليها، حتى لو لم يكن بطلًا، ليس مهمًا، البطل الحقيقي هو الدور كما كان يتحدث مع نفسه في ذلك الوقت.
يكتب المؤلف أحمد عبدالله سيناريو عن شخص يُغيّر الجيش حياته ويسميه “عبود على الحدود”، يعرضه على علاء ولي الدين، فيرحب فورًا، يطمح شريف عرفة في دخول تحد جديد، وأن يثبت لنفسه دائمًا أنه “ابن عصره”، ويعرض عليه أحمد عبدالله سيناريو “عبود على الحدود”، ويذهب علاء إليه ويسأله: “هل أصلح لأن أكون بطلًا لعمل لك؟”، فيوافق على إخراجه، ويطعم هذه التجربة بشباب مثل كريم عبدالعزيز ومذيع برنامج الأطفال على الفضائية المصرية أحمد حلمي، ومحمود عبدالمغني، وغادة عادل، ويصور الفيلم في شرم الشيخ، في عادةٍ لم تكن موجودة في ذلك الوقت.
يعرض الفيلم في صيف 1999، ويحقق إيرادات جيدة جدًا، ويصمد لأسابيع أمام “همام في أمستردام”، ويحتل المركز الثاني في الإيرادات بعده، ويستعد شريف عرفة وعلاء وعبدالله لتقديم التحدي الثاني والأهم، وهو “الناظر”، حيث أراد شريف عرفة تناول مشكلة التعليم، كتب قصة عن عائلة كاملة تمتلك مدرسة، وهي عائلة “عاشور”، ويكون مصير هذه المدرسة في مصير شاب ضعيف الشخصية والتجربة مثل “صلاح”، الذي لم يحصل على الثانوية العامة، ويكتب السيناريو أحمد عبدالله، وبجانب قصة العمل والمفارقة المبنية عليه أحداث كثيرة، يطعم السيناريو بشخصيات كوميدية حقيقية، مثل “اللمبي” و”عاطف” و”ميس انشراح” و”زكريا الدرديري”، وظل شريف عرفة حائرا مع شخصية واحدة، هي “جواهر”، فـ”شريف” لا يريد أن يقدم ممثلًا دور سيدة، ويظهر أن الممثل يصطنع الدور، هذه هي عقدته مع تجسيد الرجل دور السيدة في السينما المصرية، فيقرر مع علاء أن يقيما معسكرًا خاصًا في الإسكندرية لمدة 3 أسابيع ليقدما من خلاله شخصية “جواهر”، ويتدربا على كل تفاصيل الشخصية، ويستوحي علاء الشخصية من والدته، بنفس طريقتها في المنزل، ويتحول إلى سيدة حقيقية اسمها “جواهر”، وليس رجلًا يجسد دور سيدة، وكم كان مدهشا بأداء رشيق وحيوية نسينا معها جسده السمين.
ويعرض العمل في السينمات في أغسطس عام 2000، ويفاجأ الجمهور والنقاد بعمل يحتوي على ضحك حقيقي، وفي الوقت نفسه له هدف، فهو يناقش مشكلة حقيقية هي التعليم، ويكون هو العمل الأول في سلسلة أفلام “المضحكين الجدد” الذي يناقش مضمونًا حقيقيًا، وينجح العمل نقديًا، ويشيد الجميع بأداء علاء في الفيلم الذي صنع نجوميته، وتقديمه لـ3 شخصيات دفعة واحدة، انطلاقا من شخصية “صلاح” الابن التلميذ التائه، و”عاشور” الأب، و”جواهر” الأم التي لامست الجمهور وتفاعل معها بشدة. وينجح الفيلم تجاريًا ويحقق 20 مليون جنيه إيرادات، ويحفظ الجمهور الإيفيهات ومشاهده ظهرا عن قلب.
من ينسى مشهد المظاهرة، التي حمل فيها علاء ولي الدين على الأكتاف ليهتف مطالبا بالحرية لسعد زغلول، وما أن يرى العساكر الإنجليز يواجهون المظاهرة في محاولة لإيقافها يقول جملته الشهيرة “لف وإرجع تاني”.. هو بحق أحد أجمل مشاهد علاء ولي الدين.
عاود علاء مع شريف عرفة وأحمد عبدالله تجربته الثالثة، وهي فيلم “ابن عز” في صيف 2001، وبالطبع لم يحقق نفس نجاح “الناظر”، الذي بات أيقونة من كلاسيكيات الكوميديا المصرية بحسب وصف الفنان الكبير فؤاد المهندس، فيما رأى زملائه الفنانين “فال خير” لأن الظهور بجانبه كان خطوة للإمام في مشوارهم الفني، فقد توهج بجانبه أحمد حلمي وكريم عبد العزيز ومحمد سعد، الذين انطلقوا إلى النجومية بعد ذلك، وقدموا بطولات سينمائية.
اتذكر حلمي في شهادته عن علاء وهو يقول: “أنا وعلاء تعرفنا خلال فيلم (عبود على الحدود)، وهو أول فيلم لي، ولعبنا فيه دور البطولة، وعندما التقينا تصادقنا، وكأننا نعرف بعض من 15 سنة”.
أنه حقا حالة خاصة في الفن والحياة.. يجمع بين البساطة والعمق.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







