بلغ الوقت ساعة متأخرة من الليل.. أخذت النسمات الباردة تلسع أنف وجنتي (أم كفاح) التي لزمت نافذة المنزل مراقبة عودة وحيدها كفاح.. كانت تارة تنظر إلى الشارع الشاغر من أي كائن، وتارة أخرى تنظر إلى زوجها الذي أعياه تعب النهار ملأ شخيره مرافقاً بصفير صدر كإعلان عما مر به من تعب وجهد طوال النهار. تحدث نفسها وتقول:
- " إزاى يجيلك نفس تنام، ربنا يسترها " قلبي من المساء مقبوض تعاود النظر والهمهمة ، بعدها عادت إلى فراشها لإيهام نفسها أن كل شيء على ما يرام حاولت إغماض عينيها بعد نهار من العمل المضني، لكن هيهات فلو جمعوا نعاس وتعب الدنيا لما استطاعا إغماض عين لها دون أن تكتحل برؤية وحيدها الغالي(كفاح) ابن التاسعة عشر ربيعاً .. تعاود الكلام (كل ده تأخير؟) ..
تقولها وقد أرسلت نظرات توسل إلى مقبض الباب راجية أن يدور بين الحين والآخر كي يعلن عن قدوم غائبها وانطفاء نار الخوف التي يزداد سعيرها.. مع مرور الوقت ومع ارتفاع صوت شخير زوجها، عند بدأ المقاومة الناس تأوي بيوتها قبل غياب الشمس بسبب حذر التجول المفروض معظم أيام السنة على المدينة، راودت هذه الخواطر (من كفاح) فزاد خفقات قلبها واشتد سعير ناره أكثر.. حاولت أن تروح عن نفسها وتنسى ما يلفها من رعشة وخوف متذكرة الكلمات (كفاح هذا الصباح عندما قال لوالده والخجل يلفه - لقد وجدت.. وجدت يا أبى.. وجدت بـــ.. بـ.. بنت الحلال التي خطفت قلبي وأرجو أن تخطبها لي" وتذكرت فرحته عندما هز الوالد موافقاً له").. " بس شاور. لي عليها “.. ابتسمت ابتسامة تعلوها مسحة الحزن لكن سرعان ما عادت واتسعت لتملأ وجهها الذي غزته التجاعيد والأخاديد عندما قالت: (سأصبح جدة يا سلام وحيبقي أبو كفاح جد.. هيه العمر بيجري والأيام بتطير)..
صلوات ترفعها إلى الله ليعيد لها ضالتها قال محاولاً تهدئتها: (نام يا أم كفاح).. سيعود إن شاء الله لعله نام عند بيت عمه (نضال) أو عند(صمود) زميله - قالها هو الآخر محاولاً إخفاء ما اعتلاه من قلق وخوف.. وقد اجتازت أفكاره ومخيلته حدود الصبر راودته خواطر استعاذ بالله منها وحاول نسيانها لم يجد هو الآخر بداً من القول: "ربنا يستر ويجيب العواقب سليمة ".. بدأ الفجر بالانبلاج وألقت الشمس بخيوطها الذهبية على أرض المدينة الكبيرة بشاطئها الساحر ونخيلها الأخضر المتراقص معلنة بداية يوم جديد..
نهض أبو كفاح من فراشه بعد أن أكمل ليلته فيه مستيقظاً، دون جدوى قام يصلى صلاة الفجر راحت أم كفاح تسير تجاه (وابور الجاز القديم) لتدفئ الماء لزوجها، بعد قليل سينطلق في مسيرة يومه المعتادة فلا يعود إلا عند غياب الشمس منهك القوى..
أبو كفاح يصلى وأم كفاح على بعد خطوات منه واضعة يدها على خدها تطلق تنهدات وزفرات ضاعت في صمت الموقف، عودتها كلمات جارتها أم تحدي لما قالت لها: (سمعت يا أم كفاح أن المحروس كفاح انضم لشباب المقاومة الشعبية وللقوة الضاربة ضد اليهود الملاعين صار" فدائي" ربنا يخلهولك) كلام زاد حملها ثقلاً فعادت لكلمتها ذاتها ولكن بنبرة أخرى قائلة: (ربنا يستر) الساعة تقارب السابعة وأبو كفاح لا ينبس ببنت شفة نظر إلى زوجته قائلاً: (اللهم إني توكلت عليك.. ونعم الوكيل أنت) كان قوله هذا قد جاء على ميعاد مع قول رددته حناجر شباب المدينة الباسلة الذين تجمهروا ملثمين في بداية الزقاق لبيت أبو كفاح صارخين في موكب مهيب "لا إله إلا الله محمد رسول الله والشهيد حبيب الله "..
رفع أبو كفاح عينه إلى أكتاف الشباب ليرى العلم الفلسطيني المضرج بالدم، وقد لف جسد كفاح ابنه الذى بدأ كما لو كان نائماً ويده مضمومة لصدره، لحظات وتجمع كل أفراد العائلات بالمدينة شيبة ونساء ورجالاً كعادتهم في مصاب عظيم كهذا..
بدأت المدينة بالغليان كبركان يستعد للفوران، حرارة الشمس بدأت ترتفع.. أبو كفاح يقف مسنوداً برجال العائلات وأم كفاح تقف مشدوهة كمن يبحث عن طريق في مفترق طرق لم تدر ماذا تقول؟ وقد راحت النسوة تقتربن منها مزغردات تارة وباكيات تارة أخرى، ومن بينهن كانت (إيمان) التي كان كفاح عازماً على خطبتها وقد اقتلعت خصلات من شعرها في ثورة غضب حاملة على يدها المنديل المعطر الذى كان قد لفه على رقبتها في آخر مرة رأته فيها ونظر أبو كفاح إلى امرأته وقد أحس بأنه في حلم تمنى لو يستيقظ منه، وقال لها وقد أصبح أكثر صلابة عما كان عليه قبل قليل: (زغردى مع النساء يا أم كفاح، لقد عاد عريسنا.. ألم أقل لكى أنه سيعود؟ زغردى يا أم كفاح.. زغردى يا أم كفاح) .

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي






