«معركة التحدي» قصة قصيرة للكاتبة ميرفت عياد

الكاتبة ميرفت عياد
الكاتبة ميرفت عياد


يرونني فيظنون ضحكتي سعادة.. بسمتي مشرقة بنور قلبي.. لا يعلمون أنني أنسج خيوط النجاح ثياب تستر أشلاء قلبي الممزق.. نعم أنا لست بخير كما أبدو.. لكني راضية بنصيبي في تلك الحياة.. لذا أقاوم لأنني لا أمتلك رفاهية السقوط..

 

بهذه الكلمات بدأت مها خطابها الموجه إلى ملايين البشر الذين يعانون من الاكتئاب وخيبة الأمل والإحباط من جراء عذاب الفقد ومرارة الحرمان.. مسجونين خلف قضبان الوحدة.. يفترشون أرض الأوهام وليس لديهم القدرة للهروب من سجن نفوسهم اللعين.. يفترسهم تنين الانهيار مبتلعا إياهم في جوف الانتحار..

 

تحشرج صوت مها متأثرة بتلك الحالة المؤلمة التي تغص حلقها مرارة وهي تصرخ بكل قوتها لتدعوهم أن يتسلقوا قضبان اليأس الحديدية المضفورة من الاستسلام وخيبة الأمل.. المحفورة في باطن أرض الهزيمة.. تطالبهم أن يهشموا أحجار التجارب القاسية الرابضة فوق صدورهم بمعول العزيمة.. فقصتها درس عظيم لمخاض الأمل من رحم الألم والمعاناة..

 

بدأت مها تلك الفتاة المعاقة حركيا تروي حكايتها مع أخطبوط الحياة الذي لف ذراعيه حول رقبتها ليجتذبها الي أعماق الهاوية.. وفي اللحظة الأخيرة أراد الله لها النجاة..

 

بدأت مها تروي قصتها قائلة: كنت فتاة في ريعان الشباب والصحة أعشق تسلق الجبال واستمتع باحتضان حجارتها التي تلتقطني بمرح إلى أن اعتلى القمة وأنا في قمة السعادة والنشوة.. وبعد سنين طويلة شاء القدر أن أسقط ويصطدم ظهري بعنف من جراء تلك الصخور العاتية التي أبت أن أعتليها هذه المرة وقذفتني بعنف الي المجهول..

 

دخلت المستشفى فاقدة الوعي وخرجت منها فاقدة الحركة تمامًا لكل أعضاء جسدي سوى عيناي.. غرقت في حماة اليأس وأنا جالسة ذليلة لا أملك من امري شيئا بعد أن كنت فتاة مفعمة بالحيوية والنشاط..

 

استسلمت لقدري وأنهرت لولا يد والدتي التي أبت أن استسلم.. وعانت من أجلي الكثير.. وبعد رحلة طويلة من العلاج استطعت تحريك رأسي وعنقي وكان هذا إنجاز عظيم في رحلة علاجي.. دفعني هذا للمقاومة والرغبة في الحياة..

 

وفي ليلة جلست شاردة في كل ما مر بي في هذه الحياة.. علني أجد مخرج لتلك الحالة القاسية التي أعانيها.. هنا تذكرت رسوماتي القديمة ورغبتي في إقامة معرض يحوي لوحاتي.. فجأة أشرقت شمس الحلم من جديد فأذابت بدفئها ثلوج معاناتي المتراكمة فوق قلبي المتألم.. واستطعت أن أستمد من ضيائها بريق أضاء ظلام ليليتي.. وأشعل الحماس جمر إرادتي..

 

والغريب أن أمي أمنت بحلمي المستحيل وتجاوبت معه وشجعتني وأحضرت لي كل ما يلزمني .. وبالفعل بدأت الرسم من خلال فمي الذي احتوي أقلامي وفرشاتي وأعانني حتى انتهيت من أولى رسوماتي ..

 

 وكانت المفاجأة أنها لاقيت استحسان كبير من قبل الفنانين والنقاد.. وهكذا كانت البداية وتحقق الحلم.. وبدأت أخبار رسوماتي ومعارضي تتناقلها الصحف والمجلات وأخذت أجوب - أنا الفتاة المعاقة - العالم على كرسي بعجل.. أجد نظرات الإعجاب والانبهار تغمرني.. انظر في مراتي أجد إعاقتي تهزمني.. وفيما أتأرجح ما بين الهزيمة والعزيمة.. أيقنت أن جسدي معاق لكن عقلي خلاق.. وأخيرا استطاع أن يكسب عقلي معركة التحدي..