شرق أوروبا المشتعل.. لماذا التصعيد الآن؟

جندى أوكرانى يتجنب سماع دوى القصف الذى يشنه جيش بلاده فى مناطق القتال مع روسيا
جندى أوكرانى يتجنب سماع دوى القصف الذى يشنه جيش بلاده فى مناطق القتال مع روسيا


تتصاعد التطورات على جبهات متعددة فى العالم بشكل يثير المخاوف من اندلاع حروب بنطاقات ضخمة لا تحمل إلا الخراب والدمار والهلاك ربما لعقود قادمة.. وإذا كانت منطقة الشرق الأوسط المشتعلة بالفعل منذ ما يقرب من عام ينذر انفلات الأمور فيها بحدوث حرب إقليمية، فإن جانبا آخر من العالم يعنى انفلات أموره رسميا  الانزلاق الى حرب عالمية ثالثة، تشارك فيها دول نووية.. هذه المنطقة المشتعلة الأخرى هى شرق أوروبا.

وفى الحرب الجارية فى شرق أوكرانيا منذ فبراير 2022، اتخذت التطورات مؤخرا منحى تصعيديا جديدا.. فقد اعتاد الغرب وهو الداعم العسكرى والمالى لأوكرانيا على الزام نفسه بـ«عدم استفزاز روسيا».. والمثال الأبرز كان التشدد مع كييف فى عدم السماح لها باستخدام هذه الأسلحة فى استهداف الأراضى الروسية وقصر ميدان المعركة على إقليم دونباس شرق أوكرانيا. وبحسب تقرير سابق لـ«سى إن إن» فقد كان الغرب يتدخل فى إبطال بعض التقنيات الفنية والقدرات العسكرية لبعض من أسلحته المتقدمة المرسلة لكييف لإجبار أوكرانيا على استخدامها فى نطاق معين. ومع مراحل قتال متفرقة، أحرز فيها الجيش الروسى تقدما ميدانيا فى القتال، تخلى الغرب عن بعض تحفظاته ليسمح بإرسال أسلحة أكثر تطورا لكييف.

اقرأ أيضًا | من اتفاق أوسلو حتى العدوان الأخير على غزة

أما الآن فإن دولا أوروبية ترغب بالسماح لكييف بضرب عمق روسيا بالأسلحة الغربية وهو ما حذرت موسكو من خطورة تبعاته بشدة.

وعلى مدار الأشهر الأخيرة، انقلب الوضع رأسا على عقب. وكان بالطبع العامل الأكثر حضورا فى حسابات الجميع هو الانتخابات الأمريكية المقبلة فى نوفمبر. وبين تأرجح الكفة بين المرشحين الجمهورى دونالد ترامب والديمقراطية كامالا هاريس، أجرت كل الأطراف حساباتها. وتجدر الإشارة هنا إلى إمكانية اعتبار إدارة محتملة لهاريس على أنها ستمثل استمرارية لسياسات إدارة جو بايدن الداعمة لكييف، فى حين يعد ترامب بانهاء حرب أوكرانيا «فى 24 ساعة» بما يصب منطقيا فى صالح روسيا.

أما بالنسبة لأوكرانيا، فقد أرادت كييف إرسال رسالة استباقية للفائز فى الانتخابات الأمريكية بأنه لا يزال يمكن الرهان على الجيش الأوكرانى فى التصدى لروسيا. وكان الجيش الأوكرانى توغل بشكل مفاجئ فى 6 أغسطس فى منطقة كورسك الروسية الحدودية، وأعلن لاحقا أنه سيطر على أكثر من ألف كم مربع ونحو 100 قرية. ولا تزال القوات الروسية حتى يومنا هذا تسعى لتطهير أراضيها وطرده منها.

وأعلن الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلينسكى أمس أن هجوم كورسك حقق نتائجه وأبطأ التقدم الروسى فى دونباس. وأما من الجانب الأوروبى، فيبدو أن أوروبا قررت استباق ادارة محتملة لترامب ينوى خلالها من وجهة نظرهم «التخلى عنهم وتركهم وحيدين فى مواجهة موسكو» بمزيد من الدعم لكييف. هذا الدعم يحقق 3 فوائد فى مسار الحرب المندلعة منذ سنوات.

أولا، السماح لكييف باستخدام أسلحة بعيدة المدى ضد روسيا سيحسن من الموقف التفاوضى لها فى أى مفاوضات مقبلة لإنهاء الحرب، وهو بالطبع سيبعث مزيد من الضمانات الأمنية للجميع.

ثانيا: إذا فاز ترامب وقرر التخلى عن دعم أوكرانيا، وقررت موسكو الانتقام من أوروبا بسبب دعمها كييف، فسيجبر انتقام موسكو من أوروبا الغائرة فى دعم أوكرانيا الولايات المتحدة على التدخل بموجب المظلة الأمنية التى تمنحها لحلفائها فى الناتو، ومن ثم فلن تكون أوروبا وحيدة فى مواجهة روسيا ولن يملك ترامب رفاهية التخلى عن الدفاع عن حلفائه.

أما الفائدة الثالثة فهى أن أوروبا تعتقد أن الوقت الحالى مناسب و«آمن» لاستفزاز روسيا. فموسكو لن تريد التصعيد ضد الغرب قبل الانتخابات الأمريكية أملا فى أن تسهل الأمور على ترامب ولا تضطره لإدانتها والانقلاب عليها والتخلى عن وعده بإنهاء الحرب إذا فاز فى الانتخابات.

هذا «الصبر» الروسى حتى نوفمبر المقبل، يغازل شهية أوروبا ويشجعها على التمادى فى استفزاز موسكو. لكن الواقع أن موسكو رغم تمسكها بـ«الصبر» حتى نوفمبر، فهى تستغل ذعر إدارة بايدن أيضا من انفلات الأمور نحو التصعيد قبل الانتخابات التى قد تأتى بهاريس، هذا «الصبر» الروسى حتى نوفمبر المقبل.

ومن ثم فثمة رغبة مشتركة بين واشنطن وموسكو بعدم التصعيد حتى نوفمبر. وقد رفضت بالفعل إدارة بايدن السماح للحلفاء بإعطاء الضوء الأخضر لكييف بمهاجمة موسكو بأسلحة غربية.