«يوميات فائق وفوقية 5» قصة قصيرة للكاتب الدكتور طارق الزيات

الدكتور طارق الزيات
الدكتور طارق الزيات


اليوم الخامس

نظرات فائق إلي التي يختلسها من وقت لآخر كمن يريد أن يسبر غور نفسي والولوج إلى عقلي ليعرف ماذا يدور فيه وإذا ما كنت أعرف عن المجهولة أم لا، كنت أتغافل عن هذه النظرات ولكنها كانت تؤكد لي أمران، أولهما وهو ما يعنيني أن فائق يشعر أنني أعرف أو على الأقل لدي شكوك حوله، وثانيهما أن فائق لازال حريص على ألا أعرف بشكل صريح، كانت هذه النظرات تحمل في طياتها كل القلق الذي ينتابه، لم أكن سعيدة أبداً بهذا الأمر ولكنه ثمن هين من أجل استرجاع فائق وتجنب العواقب الوخيمة التي قد تترتب على هذا الوضع الشاذ.

بالمناسبة أسوء الأوضاع ليس بالضرورة أن يكون الطلاق، أسوء الأوضاع قد يكون هو استمرار الحياة وهناك جرح متقيح في نفسي ونفسه، أريد له أن يخرج من هذه الورطة بلا أي جرح لكرامته، نعم لقد جرحني ولكني لا أرضى له الجرح، لقد أخطأ ولكني أخطأت قبله، ولا يهم إن كنت أخطأت في حق نفسي أم في حقه أم حقنا نحن الاثنان، حدث الخطأ و لا زالت الأضرار محدودة.

البرنامج اليومي الذي وضعته، ولزومي فائق في صحوه ومنامه، وانعدام فرص التواصل بينه وبين المجهولة، وانشغاله معي بدراسة الأولاد، وبعض الأحيان أطلب منه أن يقوم معي ببعض الأعمال في المنزل متحججة بضعفي بسبب النظام الغذائي وأحياناً لأنه أقوى مني ويستطيع أن يفعل ما لا استطيع أن افعله، تلك الطلبات التي تجعل الرجل يزهو بنفسه ويشعر أنه ملجأ زوجته، لعبت معه لعبة الزوجة الابنة أحياناً والزوجة الأم أحياناً أخرى والحبيبة دوماً.

تحاشيت بعض الممارسات التي شعرت بمخاطرها مثل التلميح أثناء الكلام عن ممارسات بعض الرجال، أو الأفخاخ التي توقع بها بعض النساء الرجال، كل هذه الممارسات التي رأيت أنها لن تخدم أهدافي، كنت أسيطر على أعصابي بقوة ولم يكن هناك ما يخفف عني الضغط سوى شيئين، أولهما إنني أنقذ بيتي وأولادي، وثانيهما أنني أحبك يا فائق سامحك الله.

بعد أسابيع قليلة من قطع خطوط الاتصال أو على الأقل تقييدها، وبعد أن فقدت حوالي سبعة كيلوجرامات من وزني كانوا كفيلين باستعادتي الكثير من تناسق قوامي وإعادة تفاصيل وجهي لما يقارب لما كنت عليه قبل سنوات و مع كل الكريمات والمربطات ومستحضرات شد البشرة بدى عمري أقل بخمس سنوات ومع الرياضة المنتظمة استعدت دموية وجهي، أصبحت الملابس القديمة التي ضاقت علي مناسبة الآن، وفرت علي كثيراً، فقد اشتريتها في أيام الرخاء، الغريب أن فائق بدأ يعلق على ملابسي، كان يشعر بالغيرة، وبدأ يعلق على أن ملابسي لم تعد تناسب عمري، وأنها تجسمني، رغم أنها كانت ذات الملابس التي أحبني فيها في الماضي، حيرتني معك يا فائق، ماذا تريد بالضبط، هل تريد المترهلة الذابلة التي زهدت فيها من قبل أم تريد الرشيقة الجميلة التي أحببتها من قبل، على كل لقد رأيت في تحرك شعوره بالغيرة مؤشراً جيداً للغاية، من الجيد أن يتحرك شعورك يا فائق، بالطبع لم يصل فائق إلى حد اختلاق مشكلة بسبب الملابس، بل صمت عندما قلت له إن هذه الملابس قد اشتراها لي وسبق أن قال لي أنني أبدو جميلة فيها، يا للزمن، عندما يتغير الشعور نفقد ذاكرتنا وننسى ما كنا عليه.

بقي الآن شيء واحد لا بد من حسمه مع فائق، شيء لن يستطيع أن يرفضه، لقد طلبت منه أن نخرج مرة كل أسبوع سوياً بدون الأولاد، تعجب فائق من أمري وقال لي أين نترك الأولاد، فقلت له نتركهم لدي أمي، قبل ولم يعترض وكان على وشك أن يسألني عن كلفة الخروج ولكنه آثر ألا يفعل، فهو في كل الأحوال يتميز بالذوق واللياقة، لم يكن في تخطيطي أماكن غالية، استقلينا الميكروباص حتى سكن أسرتي، رحب بنا أبي وأمي، كانت تعليقات أبي إيجابية على مظهري وأبدى سعادته أنني بخير، ليس هناك رجل في الدنيا يعدلك يا أبي، أنت الحب الخالص، تبدلت هيئتي أم بقيت كما هي، صغرت كبرت حبك لا يتبدل، لا عجب أنك حبي الأول الذي دام و يدوم إلى الأبد.

نزلنا وسرنا حتى مطعم الوجبات السريعة وأنا أمسك بساعده, ألف يدي حوله، سرنا على مهل كما كنا نفعل في الماضي، دخلنا المطعم، سألني عن الوجبة التي أريدها فقلت له إنني لا حاجة بي إلى الطعام وطلبت منه بسكوتة أيس كريم، تعجب مني وقال كل هذا المشوار من أجل بسكوتة أيس كريم، قلت له كل هذا المشوار كي نخرج سوياً ونبدل أجواء المنزل، أحضر لنا بسكوتتين، جلست إلى جواره وأنا أمسك بيده، تحدثنا وضحكنا وتذكرنا أيام الحب والخطوبة، قضينا وقتاً جميلاً، كنت قابضة على يده كمن تخاف أن يفلت منها صغيرها.

 

اليوم السادس الأخير

كنت ألمح الشعور بالذنب في عيني فائق، كنت أفهمه جيداً فهو ليس غادراً ولا جاحداً، هو فقط ركز في لحظة معينة على متطلباته التي هي من حقه بالطبع، ربما لو جلس معي جلسة هادئة وتحدث معي بصراحة وقال لي كل ما يريد بهدوء دون غمز أو لمز لكان الأمر أهون، لكنه فضل أن يرسل لي رسائل خفية آلمتني ولحق هذا انخراطه في هذه العلاقة السخيفة تعويضاً عن شيء أفتقده في البيت، لقد آمنت دوماً أن الصراحة هي أفضل وسيلة لعلاج مشكلات الأزواج، كان يستطيع أن يقول لي ببساطة أنه يفتقدني كزوجة، كان يستطيع أن يطلب مني أن أهتم بنفسي وبمظهري، كان من الممكن أن يشاركني في البحث عن وسيلة لتدبير الوقت وبعض المال اللازم، كان من الممكن أن يطلب هو مني أن أختص نفسي بالقليل من راتبي، لكان هذا الأمر سيعني لي الكثير، ويشعرني أن من يحدثني هو زوج وحبيب مهتم بزوجته حتى لو كان هذا الاهتمام من أجله هو.

لقد تعلمت درساً كبيراً من هذا الموقف العابر، إن لم أهتم بنفسي فلن يهتم أحد بي، ثم تقع الملامة علي في النهاية، ملامة مستحقة، مستحقة لأنني أخطأت، وعلمني هذا الموقف أن أكثر الأخطاء حماقة هو أن نخطئ في حق أنفسنا ونظن أن التقدير ممن حولنا هو أمر مفروغ منه، هذا وهم كبير، وهم لا يزيله إلا مواقف كاشفة، من حسن حظي أن هذا الموقف قد جاء قبل فوات الآوان.

حانت الآن اللحظة التي يتعين على فيها أن أغلق هذا الموضوع تماماً، أولاً بتصفية الموضوع على طريقتي بلا انفعال ولا مشاحنة، لقد راقت الأجواء ويجب أن تروق أكثر وتستقر الحياة وتعود لمسارها الطبيعي.

في لحظة صفاء قلت لفائق إنني أشعر أنه غير مرتاح لتدريس الولد، وقلت له أيضاً إن هذا أمر لا حيلة لي فيه، كنت أريد أن أخبره أنني أشعر به، وأضفت أنني أعلم أنه يقضي في العمل وقتاً أطول مما أقضيه أنا وإنني أقدر متاعبه والجهد الذي يبذله، لم يرد على فائق أحاطني بذراعه وقبلني وقال لي أن هذا واجبه، ويكفي إنني أعمل وأساهم في البيت وأتابع الأولاد، بل زاد على ذلك أنه لم يتصور أن متابعة دراسة الولد مجهدة لهذا الحد، وسألني كيف ثابرت وحدي على تدريسه هو والبنت.

كل شيء يؤكد لي أن الإنسان يجب أن يمر بالتجربة ويشعر بها كي يدرك الجهد المبذول في كل شيء يراه سهلاً وبسيطاً، من الأفضل أن نتشارك كزوجات وأزواج في تحمل المسئولية فهذا كفيل بأن نشعر ببعضنا البعض، عندما قلت له إنه يبذل جهداً أكبر مني في العمل كنت صادقة، فأنا أعمل في وظيفة هادئة عدد ساعاتها قليل ولا يخل الأمر من الضغوط والمتاعب النفسية والجهد البدني، ولذلك أعرف معني أن يعمل منذ الصباح حتى الرابعة مساء كل يوم في ظل ضغوط ومسئوليات أكبر، هذه حقيقة لا يجب أن أهون منها.

لم أجد أفضل من أتعامل معه بعطف حتى أجد منه مزيد من العطف والحنان والتراحم، لقد كان بالفعل، وفي لحظة وجدت فائق يطلب مني أن أسامحه، فقلت له إنني سامحته، فتعجب وقال لي هل تعرفين، قلت له لا أعرف ولكن مهما كان ما تخفيه عني فقد سامحتك، لا أعرف شيء ولكن بما أنك طلبت مني أن أسامحك فأنا أسامحك.

سألني بهدوء وقال لي ألا تريدين أن تعرفي عن ماذا تسامحيني، قلت له ببساطة لا، ليس مهماً، المهم هو أنني وأنت متفاهمين ومتحابين، هذا أهم شيء في حياتي، أنت والأولاد كل ما أملك في هذه الدنيا.

هل حقاً كان من الضروري أن أتركه يبوح لي، هل كان ليحدث فارقاً، لا أظن هذا، سأترك له القليل من الشعور بالذنب، القليل فقط، وسأترك في نفسه الكثير من الامتنان أن أعفيته من موقف لا يحسد عليه، ولا يستطيع تبريره، ليس مطلوباً أن نهزم أحبائنا في معارك الجميع خاسر فيها، وليس مطلوباً أن نعتصر كرامتهم ونقلل منهم حتى لو كانوا قد أخطأوا، أعتقد أن العقل والمنطق والود أيضاً يجب أن يحكموا تصرفاتنا تجاه الدائرة المقربة منا.

كانت إجازة منتصف العام فرصة جيدة لي ولفائق، الأولاد في إجازة وأنا أيضاً حصلت على إجازة قصيرة، أخذ فائق إجازة ودبر لنا رحلة إلى الفيوم قضينا النهار هناك وعدنا آخر النهار، بالطبع لم تكن إمكانياتنا تسمح بالمبيت في أي فندق، وفي يوم آخر اصطحبنا صباحاً إلى العين السخنة وقضينا ليلة في شاليه يملكه صديق له، قضينا وقتاً جميلاً، أخذنا طعامنا معنا حتى لا نتكبد أية مصروفات غير ضرورية في المطاعم وفي النهاية طعامنا أنظف وأصح، كانت ليلتنا في العين السخنة ليلة من ليالي شهر العسل، عند عودتي للقاهرة كنت أشعر بالنجاح وليس الانتصار، على من انتصر، انتصر على حبيبي و زوجي، هل ينتصر أحد على نفسه، نعم نفسي، الحمد لله أن هداني لما فعلته فقد حافظت على سعادتي أسعدكم الله و ستر بيوتكم وأدام عليكم نعمه.

تمت