الصدفة وحدها قادتنى إلى الاستماع إلى قارئ حجازى قديم، يحمل عبق القراء المصريين، غير أن له سماته الخاصة، إنه القارئ البصير الشيخ عباس مقادمى
تحتاجُ المُعافرة فى الدُّنيا دائمًا إلى كثيرٍ من الصبر، والحنان، واحتمال المشاقِّ، لنتذوَّق ذلك اللبَّ الطريَّ الذى ينزُّ حلاوةً، وحياةً، وإنسانيةً؛ ورغم هذا فهى حياة غشيمة، ملتفّة حول بعضها كأنها أوراق الكرنب المصرى؛ تبدو القشرة الخارجية سيئة الشكل والمزاج؛ غير أن أهميتها كبيرة فى الحفاظ على الأوراق الداخلية طازجة، نديَّة، تملك بهاء المنظر وحلاوة المذاق؛ هكذا هى المعيشة فى المناطق الشعبية، بقدر ما تبدو صاخبةً، وعشوائيةً، ومغبرَّة من الخارج، بقدر ما تمتلئ بحمولاتٍ إنسانيةٍ عاليةٍ؛ فقط تحتاج إلى مَن يصبر على إزالة أوراق الكرنب الملفوفة حول نفسها لتحمى كل طبقة أختها الأضعف والأقل سماكةً وتحملًا.
فى حى العمرانية بالجيزة حينما تترك أغلفة السطح الخاوية المعفَّرة ببعض شباب النواصى الذين يلبسون الشورت والفانلة الحمّالات ويرتدون سلاسل وخواتم مع السيجارة المشتعلة دائمًا؛ عندما تتجاوز هذا السطح الفارغ وتدلفُ إلى الجوهر ستجد عشراتٍ من الفنانين، وأهل الحرفة، والجيران الجدعان، والرجال المخلصين: العمدة عم عبد الحميد العطار، وأبو حازم، والحاج محمود مكة، والمعلم توبة، وعم يونان، والحاج جمال محفوظ، ومئات غيرهم لا يتأخرون أبدًا عن خدمة المنطقة، ونظافتها، وضبط الإيقاع القيمى والمجتمعى؛ وكذلك الإنفاق عن سِعةٍ وحبٍّ على صيانة المسجد، وتوسيع الطريق، وتوزيع صدقات رمضان، وغيرها من أعمال البر التى تكشف عن شخصية المواطن المصرى البسيط الذى يقود الخير ويقوده الخير أينما كان.. غير أن الدور الأهم يقوم به ذلك الرجل السبعينى الذى يتوكأ على عصا ثقيلةٍ ليجوبَ بها الشوارع قبل أذان الفجر بربع ساعة، لينادى بصوته القويِّ النافذ: «صلاة الفجر يا مؤمن.. صلاة الفجر يا أحباب النبى.. صلاة الفجر يا اللى عايزين تزوروا النبى»؛ ولأن هذه الكلمات تخرج من قلب هذا العجوز التقى، فهى أداتى اليومية للاستيقاظ، المنبّه الطبيعى إلى الصلاة، بخلاف صوت ذلك المؤذن المقلق، الذى يكبتُ رغبتك فى النهوض ويستفز شيطان العند فى نفسك فتبرك على السرير مُقيدًا بأحابيل إبليس.
وعلى طريقة الروائى الكبير إبراهيم عبد المجيد فى روايته «لا أحد ينام فى الإسكندرية»، فإنه لا أحد ينام فى العمرانية..إذ إن ليل العمرانية كنهارها؛ بل إن نهارها أهدأ كثيرًا من ليلها، فهى منطقة خفاشية، هادرة ليلًا، هادئة نهارًا، شوارعها متشابهةٌ، متشابكةٌ كخيوط العنكبوت؛ لا بد أن تكون من أبنائها حتى تعرفَ مداخلها ومخارجها وأسماء شوارعها، فجوجل إيرث، بجلالة قدره، عاجزٌ هنا عن مساعدتك، فى حين أن طفلًا صغيرًا قد يقودك إلى حيث تريد بكل سهولةٍ؛ فالمحلات متشابهة الأنوار والأسماء والخدمات؛ والشوارع والحارات كانت حفنة من طوبٍ فى يد مسئولٍ قديمٍ فنثرها من يده دونما ترتيب أو تنسيق؛ فكانت كما شاءت تماوجاتُ الصَّدمة الذاهلة، لا كما شاءت جمالياتُ النظام المبهج؛ شواعها الرئيسية طولية تقطعها شوارع فرعية عرضية، وهكذا؛ فكل الشوارع والحارات نسخٌ مكرورةٌ عن بعضها، تُعانى المشاكل ذاتها؛ وربما لهذا أدرك جيدًا خطة الدولة فى الانتقال إلى الأحياء الجديدة الأكثر نظامًا، ونظافةً، وحُسن تقسيم؛ إذ إن إصلاح الأحياء القديمة يحتاج إلى أعمارٍ طويلةٍ وميزانيات دولٍ كاملةٍ.
محور كمال عامر
عشرون عامًا قضيتُها فى هذا الحى الشعبى، كانت لى خلالها أمنيةٌ وحيدةٌ وهى ردم ترعة الزُّمر، شريان الوباء فى الجيزة، التى تقطع المحافظة كلها من شرقها إلى غربها، ومن إمبابة إلى أبى النمرس؛ كانت مقالب للقمامة، ومركزًا للأوبئة والأمراض والحشرات والزواحف والكلاب؛ بيئة حاضنة لكل الموبقات؛ وكنتُ أرى أن تغيير هذا الواقع المزرى يحتاج إلى معجزةٍ حقيقيةٍ وأعوامٍ طويلةٍ؛ ليس لأن هذه الترعة طويلة وعريضة وتمتد لعدة كيلو مترات فقط؛ إنما لآلاف الأطنان من المُخلفات المركومة فيها طوال عشرات السنين؛ حتى حدثت المعجزة فى سنواتٍ قليلةٍ، وتم إنشاء محور اللواء كمال عامر، ليربط بين دائرى المرج ودائرى المنيب، ويخلق من هذا القبح شريطًا حيويًّا وسط محافظة خوفو وخفرع ومنقرع وأبى الهول؛ إنها إرادة المصرى حين يهمّ بالفعل، وقوة الدولة حين تريد.. ولن ينسى التاريخ إنجاز الرئيس السيسى حين أنشأ هذه الشرايين التى ضخَّت الدماء النقية فى أوصال وطن، كانت قد جفَّت عروقه وتيبَّست رئته سنواتٍ طويلةً.
شيخ قراء الحجاز
أتابع بشغفٍ، وأبحث بدقةٍ عن تاريخ القرَّاء المصريين؛ وأجتهدُ دائمًا لأعلم قراء قدماء مُجيدين ومستترين عن أسماع الناس، مُستعينًا فى ذلك بصفحات مرموقة لأصدقائى مؤرخى الأدب والفن المصرى؛ خاصة صفحة الأديب هيثم أبو زيد، ثم الشاعر عبد الرحمن الطويل؛ والحقيقة أنهما متبحِّران فى علوم المقامات الموسيقية وتاريخ القراء والمنشدين المصريين بصورةٍ مُدهشةٍ؛ كما أنهما يكتبان بحب حقيقى عن هذه الفنون.. والحقيقة أننى كنتُ أتعصب لقرائنا لدرجة اليقين أنه لم يكن ولن يكون هناك قراء يستحقون التفات الأذن الواعية إلا فى مصر.. غير أن الصدفة وحدها جعلتنى أراجع نفسى وقادتنى إلى الاستماع إلى قارئ حجازى قديم، رائق جدًّا، وسلس، ويحمل عبق القراء المصريين، غير أن له سماته الخاصة، حتى إننى بحثت عن كل تسجيلاته المُتاحة على النت وأصبحتُ أسمعها بتكرارٍ وانتباهٍ؛ إنه القارئ البصير الشيخ عباس محمد عباس مقادمى، وهو شخصية قرآنية مرموقة من مكة المكرمة، وكانت أسرته مشهورة فى بيع «المقادم» أو الكوارع؛ وأصيب الشيخ وهو طفل بمرض الجدرى فى وجهه، مما تسبب فى فقدانه البصر، فأراد والده أن يعوّض ابنه عن نور البصر بنور الذكر الحكيم، فعهد به إلى عددٍ من الشيوخ البارزين فى حفظ وتلاوة القرآن الكريم، حتى نبغ ولُقب بشيخ قراء الحجاز، وذلك لعلمه الواسع بالتجويد والقراءات؛ وعندما بحثت عن شيوخ هذا القارئ الكبير وجدتُ أن من بينهم الشيخ عبد الرءوف مرعى، شيخ القراء بمصر، وكان مُحفظًا للقرآن الكريم بمكة.
عُرف الشيخ المقادمى بقدرته الفائقة على التنقل بين المقامات والتلاوات بأسلوب مميز، وسافر معظم دول العالم، وظل متمسكًا بالقراءة حتى وفاته عن 69 عامًا قضاها فى خدمة كتاب الله.. وكان قد قرأ الشيخ عباس مقادمى القرآن الكريم فى الحرم المكى بحضور الشيخ أحمد حجازى، وكوكبة من كبار القراء، منهم الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، الذى أعرب عن انبهاره بالأداء المتميز للشيخ المقادمى، مؤكدًا أنه استطاع أن يتنقل بأسلوبه تنقلات تصعب على غيره، ووصفه بأنه أستاذ التلاوة الحجازية.
استثمار قرآنى
نملك ما لا يملكه الآخرون، ومن حقنا أن نتباهى به على العالمين، نملك تراثًا نادرًا من التسجيلات القرآنية لكبار القراء المصريين الذين يتفردون بتلاوته وتجويده بطريقتهم الخاصة؛ ولكننا لا نملك حصرًا لهؤلاء القراء ولا تأريخًا لحياتهم، اللهم إلا اجتهادات فردية يشوبها النقصان، خاصة حول البدايات الأولى الضاربة فى عُمق التاريخ، وحتى المعلومات حول القراء القريبين والأحياء تظل ضئيلة.
إقامة متحف لكبار القراء فى مسجد مصر، تلك التحفة المعمارية الفريدة، خطوة رائدة ومبدعة؛ ولكن حصر التسجيلات النادرة وصيانتها ورقمنتها يحتاج إلى حملةٍ قوميةٍ تقوم بها الشركات الإعلامية الوطنية، وهى جهود وأموال ستحفظ تاريخنا القرآنى، كما أنها فرصة جيدة للاستثمار؛ فالمقاطع القرآنية للقراء المصريين تحصد آلاف المشاهدات على السوشيال ميديا ويجنى من ورائها «غيرنا» ملايين الدولارات.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







