حكايات| سمك أم محمد.. على كل شكل ولون

سمك أم محمد
سمك أم محمد


من بين الأصوات العالية، وأرقام وأسعار منتجات وأطعمة من كل لون، وباعة في كل مكان، تقف «أم محمد» في سوق الميدان، أكبر أسواق الإسكندرية صخبًا وزحامًا.

 أمام صحن كبير من الزيت حرارته مرتفعة تكاد أن تذيب الحديد، وشواية سمك على الجانب الآخر، تتحرك يداها اللتان كانتا ناعمتين في الماضي بخفة وسرعة، لا تسمع سوى صوت حديثها الداخلى، ونفسها التى تحدثها عن حياتها وأبنائها.

تغلق «أم محمد» أذنها عن أى ضوضاء سوى صوت حديث النفس الداخلى. ربما تحدثها نفسها عن ابنتها الكبرى التى تدرس فى الكلية الآن، هل يسير يومها بشكل جيد؟ أو عن مستقبل الصغير الذى يستعد لدخول الصف الثالث الإعدادى، أو عن كيف ستنجو بكنزى «آخر العنقود» التى تصحبها معها للعمل يوميًا.
بملابس أشبه بزى الرجال، تقف «أم محمد» السيدة الأربعينية، التى كانت يومًا ما تنعم برغد العيش، فلم تقف أمام نار سوى نار مطبخها فى بيتها الصغير تطهو طعام أبنائها وزوجها، قبل أن يرحل عنها وتبدأ تواجه الحياة وحدها. هى أم وأب لثلاثة أولاد، تحلم بأن يكونوا ذوى شأن فى يوم ما، فالتعليم عندها أهم من الطعام والشراب والدواء.

اتجهت «أم محمد» لسوق الميدان بحثًا عن العمل من أجل نفقات أبنائها، فانتهى بها المطاف أمام شواية سمك بالسوق. تبدل الحال، فبعد أن كانت تطهو لأسرتها، أصبحت تشوى وتقلى السمك لآلاف الأسر يوميًا.

عدسة «الأخبار» فاجأتها وهى بين عشرات الرجال، تقلب السمك على النار، وتنظر يمينًا للفرن الآخر، وفى نفس الوقت عينها على شمالها حيث قدر الزيت والأسماك المقلية. تقف وسط درجة حرارة مرتفعة جدًا بالإضافة للجو الصيفي الحار، ثم تقول: «عشان ولادى أعمل أى حاجة».

سكتت برهة وسكت معها صوت الزيت والشواء، وكأنهما يعزفان على وتر صاحبتهما، ثم تقول: «كان يجب أن أعمل حتى أحصل على نفقات أولادى، والحياة تحتاج لجهاد. ابنتى الكبرى فى كلية التمريض، ولا أريدها أن تشعر بأنها أقل من زميلاتها، وابني في الإعدادية، وهمي الأكبر الصغرى ذات الأربع سنوات، أحلم لها بمستقبل أفضل من أخويها».

وتتابع «أم محمد» بينما تقلب الأسماك فى الشواية مرتفعة الحرارة: «القدر اختارنى أن أكون أبا وأما. أحيانًا أشتاق لبيتى ولمطبخى، وسرعان ما أكتم هذا الحنين وأتجاهله. الطهو فى المنزل أصبح من الرفاهيات بالنسبة لى.

ذات مرة اشتقت لأن أضع طلاء الأظافر على يدى، بمجرد أن قمت بطلاء أول ظفرين بكيت، ولم أكمل. سألت نفسى كيف لى أن أقف فى السوق وسط الرجال بهذه الزينة؟ اضطررت لأن أنسى أننى أنثى، ولم يتبق لى من أنوثتى سوى البكاء. حينما تغلبنى الحياة ويتغلب على التعب والعناء أبكى، ولم أمنع نفسى من البكاء لأنه ما تبقى لى من أنوثتى».

اقرأ أيضًا|  أسعار الأسماك اليوم الثلاثاء 3 أغسطس سوق العبور

تنظر نظرة سريعة ليدها، ثم تنظر الأخرى لـ «جريل الشواء» وكأنه مرآة تعيد بها زينتها ورونقها. تبتلع ريقها بشىء من الغصة وتقول: «أسعد لحظات حياتى وأنا داخلة البيت على عيالي وهم مستنيين رجوعى. أترمى في حضنهم وأطمئن على دراستهم، ويشكرونني وتحضر لى ابنتي كوب الشاى ثم يمازحنى ابنى. لحظات عابرة فى اليوم قبل أن ينتهي ليبدأ يوم جديد مثله مثل سابقه.

فلا جديد فى حياتى، أنام، أذهب للعمل، أعود للبيت، أطمئن على الأولاد ثم أنام. وهكذا دوامة شقاء»، وتتابع «أم محمد»: «أنا أعمل 12 ساعة يوميًا، بالإضافة إلى ساعتين مواصلات. أحيانًا أذهب للبيت ولا أشعر بنفسى ولا قدمى من التعب».