الموقف السياسى

محمود بسيونى يكتب: مصـر مفتـاح الحـل

محمود بسيونى
محمود بسيونى


أحدثت تحركات مصر الأخيرة فى أزمتى السد الإثيوبى وغزة وتصديها لتحركات الحكومة الإسرائيلية المأزومة، ثم زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى الأولى بعد توليه الرئاسة إلى أنقرة ولقاء الرئيس التركى رجب طيب أردوغان صدى إقليميًا ودوليًا واسعًا ولافتًا، واهتمامًا كبيرًا بخريطة الأزمات والتفاهمات بين القوى المؤثرة والفاعلة، فى ظل سيادة حالة من القلق والترقب لمنطقة تمر بمنعطفٍ شديد الخطورة.

وظهر سؤال مُلح: هل غيّرت مصر سياستها الخارجية؟.. أو بمعنى أدق: هل اختلفت سياستنا الخارجية فى الحكومة الجديدة عن سابقتها؟  

سمعت الإجابة من الدكتور بدر عبدالعاطى، وزير الخارجية، خلال الحوار الموسع الذى عقده مع رؤساء مجالس إدارة وتحرير الصحف المصرية، بمقر الوزارة بالعاصمة الإدارية الجديدة، والإجابة تتلخص فى مبدأ التزم به الرئيس السيسى منذ توليه الرئاسة، وهو الاتزان الاستراتيجى الفعّال، والاتزان الفعّال هو تحقيق المصلحة الوطنية بتقليل الخلافات وزيادة مساحة التفاهمات ورفض الأحلاف وسياسة الاستقطاب الدولى ووضع مصالح مصر الاستراتيجية فى المرتبة الأولى عند أى تحرك إقليمى أو دولى، مع الالتزام الكامل والتام من جانب الدولة المصرية بالقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة.

وكان التزام مصر الصارم بالشرعية الدولية هو عنوان لجوء مصر إلى مجلس الأمن فى أزمة السد الإثيوبى، والعودة إلى مجلس الأمن سببها السياسات الأحادية الإثيوبية المخالفة لقواعد ومبادئ القانون الدولى، وخرقها لاتفاق إعلان المبادئ الموقّع بين مصر والسودان وإثيوبيا فى عام 2015، والبيان الرئاسى لمجلس الأمن الصادر فى 15 سبتمبر 2021.

وصعَّدت مصر من لهجتها أمام مجلس الأمن فى الحديث عن خطورة التصرفات الإثيوبية وتهديدها لحياة المصريين المرتبطة بمياه النيل، لقد كانت القاهرة واضحة من البداية فى تقبلها وتفهمها لمشروعات التنمية بنوايا صادقة، وكان ذلك هو السبب فى تفاوض طويل استمر لمدة 13 عامًا مع أديس أبابا، لكنه تحول فى النهاية -بحسب بيان الخارجية القوى- إلى غطاء تفاوضى لأمد غير منظور، بغرض تكريس الأمر الواقع، دون وجود إرادة سياسية لديها للتوصل لحل.

وشدد التحرك المصرى لدى مجلس الأمن على أن السياسات الإثيوبية غير القانونية ستكون لها آثارها السلبية الخطيرة على دولتى المصب مصر والسودان، وأنّ مصر تتابع التطورات ومستعدة لاتخاذ التدابير والخطوات المكفولة بموجب ميثاق الأمم المتحدة، للدفاع عن وجودها ومقدرات شعبها ومصالحه.
انتهى الخطاب المصرى القوى حول السد الإثيوبى لننتقل إلى بيان آخر أقوى، اشتبكت فيه القاهرة مع بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلى، بعد زجه باسم مصر فى مهاترات قديمة، ردت عليها القاهرة ورفضتها أكثر من مرة، حول تهريب الأسلحة للمقاومة الفلسطينية، وتبرير التواجد الإسرائيلى فى ممر فيلادلفيا.

الموقف المصرى القوى والتأييد العربى الواسع له ضد تحركات نتنياهو المأزومة أربك حسابات تل أبيب، ووضعها فى مواجهة ضغط أمريكى هائل، لتنفيذ صفقة تبادل المحتجزين، ثم ظهر على السطح الخلاف الكبير بين نتنياهو ويوآف جالانت، وزير الدفاع، بسبب رفضه تواجد الجيش الإسرائيلى فى ممر فيلادلفيا والحاجة المُلحة لصفقة المحتجزين، وظهرت بالتبعية خلافات بين المستويين السياسى والعسكرى الإسرائيلى حول خطط نتنياهو، وأن هدفها الوحيد تمسكه بالسلطة وتهربه من تحمل مسئولية هجمات 7 أكتوبر، وأنه على استعداد للتضحية بحياة المحتجزين وإشعال المنطقة بحرب واسعة النطاق مقابل بقائه على كرسى رئيس الوزراء.

المواقف القوية فى الأزمات الإقليمية يصاحبها من ناحية أخرى حضور مهم ومؤثر من مصر لقمَّة منتدى التعاون الصينى-الأفريقى «فوكاك»، ويشارك فيها الدكتور مصطفى مدبولى، رئيس مجلس الوزراء، نيابةً عن الرئيس السيسى، وتحتفظ مصر بعلاقات قوية مع الصين عنوانها المصالح المشتركة وما تُوفره مصر من فرص استثمارية واعدة.

إلا أن التحرك الأهم والأبرز والخبر الأول فى كل نشرات الأخبار -المرتبط والمبنى على كل ما سبق- هو زيارة الرئيس السيسى إلى أنقرة ولقاؤه مع الرئيس التركى أردوغان، والاتفاق على ترفيع مستوى العلاقات إلى المستوى الاستراتيجى، بما يحقق مصالح الطرفين ويزيد من حجم الاستثمارات والتبادل التجارى بينهما، ويُنسق المواقف فى الملفات ذات الاهتمام المشترك، وهى خطوة جيدة لمصلحة البلدين والشعبين.

الاستقبال الكبير والطابع الاحتفالى التركى والحفاوة تقول إن تركيا ومصر على طريق التفاهم، وهو أمر -بلا شك- فى مصلحة الشرق الأوسط، فالبَلَدان لديهما ما يمكن البناء عليه فى ملفات إقليمية عدة، وتعاونهما الاقتصادى يعود بالمكاسب على الطرفين. 

قراءة المشهد الإقليمى فى ضوء التحركات المصرية تضعنا أمام حقيقة وحيدة، هى أن مصر تعمل من أجل التهدئة، وتسعى للحل فى ملفات أشبه بقنابل عنقودية، تنفجر الواحدة تلو الأخرى، كلما انتهت مرحلة استدعت بعدها مرحلة أصعب من الصراع الدموى، هكذا الحال فى غزة وحاليًا فى الضفة الغربية، وأيضًا فى ليبيا والسودان حتى وصلنا لأزمات البحر الأحمر والقرن الأفريقى، الدبلوماسية المصرية لا تتوقف عن التحذير واقتراح الحلول والبحث الدائم عن مخرج، وتمد يدها للجميع بحثًا عن تهدئه تبدو بعيدة.

الفاعلون الدوليون فى واشنطن وبكين وموسكو والاتحاد الأوروبى ينظرون إلى مصر باعتبارها الشريك الموثوق به، تمارس سياسة بلا أجندات خفية أو حسابات خاصة ضيقة، مكسبها فى التهدئة والتعاون المشترك فى مجالات النمو الاقتصادى والتنمية المستدامة، وتمركزت الجمهورية الجديدة فى قلب اتصالات العالم، ووضعت لنفسها مكانًا مميزًا فى النظام العالمى القادم متعدد الأقطاب.

وصلت مصر إلى تلك المكانة فى سنوات قليلة، نتيجة الاستقرار والمرونة فى تحركاتها والقراءة الواعية والذكية من الرئيس السيسى لمجريات وتطورات الأحداث الدولية المختلفة ومساراتها المستقبلية المتوقعة، حيث كان بعيد النظر فى الحفاظ على التوازن فى العلاقات مع الفاعلين الدوليين، وأن تعمل مصر مع الجميع وفق قاعدة المصالح المشتركة، ودون قبول لإملاء أو مشروطية سياسية، فنجحت فى قيادة حوار استراتيجى مهم مع الولايات المتحدة، وتحقيق نتائج جيدة رغم التحديات الإقليمية المعقدة، والظروف الاقتصادية الصعبة، وترى الولايات المتحدة فى مصر فرصًا للتعاون فى مجال التحول الرقمى، والتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، وأن القاهرة لديها فرصة جيدة للتحول إلى مركز إقليمى لتصدير السيارات.

وعلى المستوى السياسى راهنت إدارة جو بايدن على مصر فى هندسة اتفاق «الفرصة الأخيرة»، وحل الإشكاليات المتعددة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية، حتى إن الرئيس الأمريكى تحدث عن حل قريب بعدما أحدثت مفاوضات القاهرة والدوحة اختراقًا يمكن البناء عليه فى صفقة تبادل المحتجزين.
الرهان على مصر ليس فى غزة فقط، ولكن أيضًا فى الوصول إلى وقف الاقتتال الداخلى فى السودان، وكذلك التهدئة والعودة للمسار السياسى للحل فى ليبيا، وأيضًا فى الصومال، فالحل دائمًا فى القاهرة.

الأزمات ليست وليدة الصدفة، وحصار مصر بالتحديات ذات الطابع المزمن ليس صدفة أيضًا، لكن مصر أثبتت أنها دولة قوية يمكنها التعامل مع كافة التهديدات غير المسبوقة بشكل متزن ومتوازن، وأنها محطة العبور للحل، فلا تسوية فى أى ملف إقليمى بدون مصر، وهى حقيقة أثبتتها الأيام، دولة صاحبة مبادئ مستقرة، ولديها إصرار على ممارسة السياسة بشرف فى زمن عزَّ فيه الشرف.