«حكايات من قلوب الناس1» قصة قصيرة للكاتبة حنان فكري

حنان فكري
حنان فكري


السلطان المحبوس:

 عانقتُ فيه الحياة والحب، صار السطر الأول في كل حكاياتي، والعنوان الأوحد للعمر الآتي، حَنُون الفؤاد، دافىء الحضور، احتل مداخل نفسي، وشَيد للحُلم جِسُوراً، فمَهدُتُ وجداني لشراكة الروح، التي تعاهدنا عليها، أخرجت صندوق عُرسي العتيق من منفاه أسفل سرير الوحدة، ربما تحتفظ أشيائي ببعض من بريقها، بعد أن فاتني سن الزواج، خفقان قلبي يسبقني، هل أتزوج بعدما قاربت الأربعين، ما زال قلبي يخفق بشدة، لا أعلم من فرط الحب أم من عاصفة الخوف والتردد التي تجتاحني، كلما تذكرت أنني على وشك الزواج، من رجل أرمل وأب لولدين، نعم سوف أصبح جزءًا من حياته اليومية التي تتخللها تحديات التربية والمسؤوليات لولدين ملء البصر والبصيرة.

في عشقي قدم براهينا، لكن ولديه هما كل حياته، تلك الحياة التي مزقها فقدان زوجته الأولى. فحاول إصلاحها معي، نعم يمكنني أن أكون زوجة بديلة حبيبة بديلة، لكن كيف لي أن أصير أما بديلة ؟ وأنا أدرك تمامًا أن ذكرى والدتهما حية في قلبهما طالما عاشوا؟ مخاوف التهمتها بصمتي. حتى التقيت بولديه، في اليوم الذي قرر إخبارهما بنيتنا في الزيجة.

اقرأ أيضًا|  «وارث ومين يورثك» قصيدة للشاعر السيد الشيتي

في أحد المطاعم، اصطحبنا لتناول الغذاء، جلس الولدين بجواره، أطبقا شفاههما عن الكلام،  بينما أفصحت نظراتهما عن كل ما تخوفت منه، نظرات مُتحاملة حادة قاسية، تتهمني بشىء محشور في حنجرة السكوت،  وشعرت أنني اختلست مكانة أمُهما، وخشيت أن أكون سببًا في جرح ولديه اليتيمين، عجزت عن النظر في أعينهما المملوءة رفضًا وخوفًا، أو ربما حتى كراهية.

حائرة قضيت الليالي بين التمسك بالحُب، وبين مخاوفي، كنت أتساءل باستمرار: هل يمكن للحب أن يتجاوز تلك العقبات؟ هل يمكنني أن أحب ولديه كما أحبه، وأن أكون جزءًا من حياتهما دون أن أمحو الذكريات الخاصة بالأم الأصلية، أو اتسبب في الخذلان لأحد؟ قد لا يكون الحب وحده كافيًا لتجاوز كل المخاوف. تحاملت على نفسي وأنا أواسيها قائلة "الهروب آمن، القطيعة راحة، الوحدة خير من الكراهية، والحرمان الهادىء أنقى من الحب الملوث بجروح الأحباء"، ومضت الأسابيع، بين فرار وملاحقة، حتى وجدته قارعاً بابي، كانهيار جبل الجليد ذابت مقاومتي، فللغرام كلمة لا يسقطها المغرمون، وتزوجت منه. آملة في تحرير سلطان الغرام المحبوس في فزعي وشكوكي.

 لم أكن محبوبة من ولديه، كل التفاصيل الصغيرة كانت نبؤات عظيمة عن شكل المستقبل. رفضوني إلى حد الاحتقار، رفضوا مناداتي باسمي سامية، وأطلقوا علي "ساهية"، وتهاونت في الاحترام من أجل سلام البيت، لم أفاوض على حدودي معهم، أسقطتها عَلني أجد نظرة ود مفقودة، ولم أجد، واستمرت الحياة على مضض، أجواء بيتية خانقة، خصوصية مفقودة، اتهامات مُلفقة، على حافة الجنون ترنحت، وكلما اقتربت من فقدان رجاحة عقلي ردني الحب لاتزاني، حتى أنجبت طفلين ولد وبنت، كان لهما نصيبا في إرث الكراهية القابعة داخل قلبي أخويهما، لم يَحِن أي من الكبيرين على الصغيرين، صار المنزل خرائبا مهجورة كل وحيد محصور في زاويته، لمح والديهما ما يجري، فللكراهية رائحة عفنة، وللتربص جرس إنذار،  لذلك اتخذ لنا مسكنا منفصلا، لنحيا في سلام.

 وصار العهد عهدين،عهدا معي وعهده مع ولديه الكبيرين، وصارت الأسرة أسرتين، هو وابنيه، وأنا والطفلين، صار الدفء برودة، والأمان لوعة، والزواج مجرد ورقة، تحولت رياحين الحب إلى علقم الغياب، اختفى صوت الغرام، وتعالت صيحات الهجر، إذ كان زوجي يحيا مع ولديه الكبيرين اللذان بلغا العشرين من العمر، ويزور الصغيرين الذين تركهما في رعايتي. انفطر قلبي، لكن أبدا لم أفقد الأمل ولم ينقص حبي له، ربما كان هذا هو السبب في مرضي. استعمر المرض جسدي، أصبت بداء السكري، وتحول المرض لعبء جديد أُضيف للأعباء القاسية التي على كاهلي، وما بين الاشتياق للحياة الآمنة المُستقرة، وبين مسؤولية الأبناء والمرض، تقطر إرادتي مراً لتقبض على الصمود.

بعد ثلاث أعوام من الزواج، مرض زوجي، وأقعده المرض، منعنا ولديه من الزيارة، رفضا الإنفاق على أخوتهما، وأنا لا حيلة لي بعد انقطاع معاش والدي الذي كنت أحيا عليه قبل الزواج، جففا كل منابع الود بيننا، وحرما الصغيرين حق وداع أبوهما قبل وفاته، وتغول الفراق بموته، لتبتلعني هاوية الأحزان، ويسلمني سلطان الغرام لسلطان الفراق الأبدي، فيطيح مرض السكري بأعضائي، ويتسبب فى بتر القدم والساق اليسرى حتى الرُكبة.

 عشت فقيرة مريضة وحيدة، مسؤولة بلا عائل ولا سند، أطوف بطرفي المبتور على الجمعيات الخيرية لتركيب طرف صناعي، وبعد فترة ولما انكسر الطرف الصناعي، أعدت دورة الطواف مرة أخرى لتركيب الطرف المكسور، كُثرت الشدائد، واستنفرت المِحِن، وكلما ظننت أنني نجوت، تتقاذفني طواحين التجارب رافضة التوقف، فالتقطتني من الوحدة والفراق وبتر الساق، لتسلمني إلى سلطان السرطان، واكتشفت أنني مُصابة بسرطان الغدة. وعلى مدار السنوات العشر الماضية كنت أتماثل للشفاء ثم يعود السرطان ليغزو جسدي بشراسته"

دار المرض دورته الكاملة معي، يتخلى عن سلطانه في جسدي لصالح الأمل حيناً، ثم يعود ليمتلك خلاياه مرة أخرى،. ولأن المعارف رزق، رزقني الله بالطبيبة التي علمتني كيف أروض ذلك اللعين، كنت أنهار يومياً فتتحول لعكاز أستند إليه في ضعفي وذبول إيماني، مثل شريط سينمائي، عبرت حياتي أمامي، انفجرت في أحضان طبيبتي: " انهكني المرض والفراق".

الطبيبة: فراق زوجك؟

سامية: نعم ، أحببته، وسأظل، لا كتب الله عليك لوعة الأرملة في فاجعة رحيل رفيق العمر

الطبيبة: يا الله، قشعريرة سرت في كياني، قلبي يردد خلفك الدعاء ودمائي تصرخ آمين، فكل الأشياء تصير رماداً حينما تحترق القلوب، تنسد منافذ الأمل فجأة، وتبدأ ليالي خريفية تطول إلى ما لا نهاية، لا حر ولا برد، لا أمان ولا رعب، ميوعة تخترق المشاعر، حينما تأتي رياح الفقد وتذهب لتترك السكون حولنا بلا رفيق إلا الدموع ... الله قادر أن يعصب جروحك، ويطفىء شعلة احتراقك.

فارقتُ حضن طبيبتي، بعد رحلة تعافي طويلة، اصطدمتُ خلالها بالتخلي مرات ومرات، ظننت أن الأخوين الكبيرين سوف يشفقان على الصغيرين في مرضي، لكن عبثا كانت ظنوني، وتراكمت نفقات تعليم الولد والبنت بعد تخلى أخويهما عنهما، حرموا من معاش والدهما، سلبوا كل الحقوق، لكن الحياة لا تتوقف.

"أنا لا أخاف الموت لأن لي فيه راحة كُبرى، لكننى أخاف الحياة لأنها تسلب الأيتام حقوقهم، كل ما أخشاه أن أرحل تاركة ابنى وابنتى للمجهول، للملاجئ والشوارع يتخبطان فيها، للأرصفة والتلطم بين الأشرار مرة والأخيار مرة، أخشى ما أخشاه أن يسرق الموت حق أولادى فى البنوة، والاحتماء بحضن أم ترعاهما"

هكذا كنت أردد، وتجيبني الطبيبة الأمينة: "ذلك السرطان الذي يختطف الناس من معيتنا كل يوم، ويتركنا عاجزين أن نرد سلطانه عن أقدارنا، فنتحلى رغماً عنا بالصبر الإجباري، أو سكينة اللا حيلة إلى أن تعمل روح الله في قلوب المجروحين بصدمة السرطان، وحينما تمتد يد الله لمداواة القلوب ترفع كل الأمراض رايات الاستسلام، شريطة تسليم القلوب. فكل حصن للحماية إلا الذي بلا يقين، كل الجبال ثابتة إلا التي زلزل الله موجات الأرض أسفل صخورها، كل مسالك الخلاص آمنة إلا التي بلا مرور، كل الأغاني مُبهجة، كل الأماني رائجة، مشروط بالإيمان ابتهاج العبور، مقرون بالثقة حبس سلطان الغرور، نعم فسلطان المرض مغرور جداً، وسلطان السرطان الأشد غروراً على الإطلاق،  لكنه يتضاءل حينما نرفع أيادينا الى السماء، فنرى مجد الله يبرق نحو ذلك السلطان وأي السلطان، حبيس الإيمان، ذلك اللعين، الذي يملك الأجساد، ويسود عليها، لن ندعه أبداً يملك الأرواح".

ظللت أناضل من أجل البقاء، أفتش عن الحياة في معية الموت الساكن في جسدي بالسرطان، ظلت متمسكة باليقين العامل في وجداني، بأن الله قادر على حبس سلطان المرض، ولما لا فقد منحني فرصا متكررة للحياة، زواجا بعد عنوسة، وعشقا بعد وحدة، وطفلين أعادا لي بهجة الحياة بعد فراق الحبيب وقسوة ولديه، تزيدني الفرص مسؤولية وإصرارا، فقد كنت العائل الوحيد لابني وابنتي، الذين صارا الآن في المرحلة الجامعية. فلا بت مهزومة من الفقر يوما، ولا اختطف صبري سلطان الفراق ولا هز إيماني سلطان السرطان. لأن نضالي لم يكن مع المرض لكنه كان مع الستر، والنضال من أجل الستر صعب... الستر من عيون البصاصين، وألسنة اللائمين، من لصوص الأمان وناهبي الكرامة. أما النضال من أجل الغلبة في معركة المرض اللعين فنصف أدواته اليقين.

 علمتني طبيبتي أن العقاقير وحدها لا تمنح الشفاء، أحيانا تبدأ رحلتنا مع تجارب الحياة بلوعة الحب، ثم تأتي أزمنة الضيق لتخصم من الحب وتترك لنا اللوعة. فلما سخرنا العمر للخلاص من اللوعة، عشنا كرب لا تنفرج زواياه، ولما دشّنا في قلوبنا ضفة للإيمان استبصرت فينا مواجعنا، وتحولت كل لحظة نضال من أجل شيء واحد يستحق، إلى رحلة استرداد الحب المفقود.