تحت ظلالها تجلس شادية وبليغ حمدى ومحمد حمزة مندمجين فى حب وحماس حقيقى وصادق ويغنون فى نفس واحد : يا حبيبتى يا مصر
حامل اللقب
سيد درويش (فنان الشعب) ، محمد عبد الوهاب (موسيقار الأجيال)، أم كلثوم (كوكب الشرق) ، عبدالحليم حافظ (العندليب الأسمر) ، فايزة أحمد (كروان الشرق) ، فيروز (جارة القمر ) ، فاتن حمامة (سيدة الشاشة العربية) ، حسن شحاتة (المعلم) ،محمود الخطيب (بيبو)، فاروق جعفر (ملك النص) ، إبراهيم يوسف (الغزال الأسمر) ، أشرف قاسم (البرنس )، عمرو دياب (الهضبة) ، محمد منير (الكنج) ، هى ألقاب حصل عليها الفنانون فى عهود مختلفة حتى وصلنا للعهد الذى يُعرف فيه الفنان بلقبه ولا يُعرف اسمه ، وزاد الأمر حتى صار هناك ألقاب تمنحها الحفلات والشركات المُنتجة ، وصار هناك أكثر من طرح للقب (صوت مصر) وردت إحدى الشركات بمنح مطربة لقب (صوت جميع الأمم) وصرنا على وشك الدخول إلى ألقاب مُستحدثة مثل صوت الكوكب وصوت المجموعة الشمسية وصوت المجرات وولدت الأسئلة من رحم الزحام ، صعد السؤال الأعجب فوق سطح العقل ، ما هو المعيار الذى يحصل به فنان أو فنانة على لقب صوت مصر أو نجم مصر أو فنان مصر ؟ هل هذا اللقب يُمنح لكل فنان مصرى استطاع أن يكون الأميز أو الأكثر جماهيرية أو صاحب التذكرة الأعلى سعرًا فى الحفلات ؟ هل هذا هو المعيار ؟ أم أن صوت مصر أو فنان مصر هو الذى ارتبطت أعماله أو غالب أعماله بمصر كمعنى كبير ؟ أم أنه أكثر صوت أو فنان استطاع أن يكون سفيرًا لمصر وفنها فى العالم ؟، الإجابة ستكون متعددة ومتنوعة بشكل لا يصل إلى حل أى معيار وأى مقياس ، هل هو معيار الزمن ؟ فيكون الصوت الأطول عُمرا مثلًا.
عقدت اجتماعًا كبيرًا لكل الفنانين الكبار على مر العهود السابقة وعلى امتداد قرن من الزمان ، كان استقبالهم فى صالون الخيال على أعلى مستوى ، وجلسوا على آرائك وثيرة وأخذوا يتطلعون نحوى فى شغف وفضول وكنت لا أريد أن أُرهقهم أو أُطيل عليهم ، كان الشيخ سيد فى مزاج عال يحتضن العود ويُدندن مُغمض العينين ، وهمست فى أذنه همسًا لا يُفسد عليه حاله وقلت : من هو صوت مصر يا شيخ سيد ، رفع صوته بالغناء مُبتسمًا ساخرًا : مصر يا أم العجايب شعبك أصيل بترند عايب ، لم أتمالك نفسى من الضحك وفهمت الإشارة واقتربت من كوكب الشرق المتربعة على عرشها فابتسمت لى وهى تحثنى على السؤال : إسأل يا سيدى ، فهمست فى تردد وخجل : السؤال عن صوت مصر يا ست ، ردت بصوتها المميز الفلاحى الواعى : إسأل روحك ، تراجعت فى أدب لأجد السيدة فايزة أحمد تُحملق فى وجهى بضيق وعصبية وهى تردد : غريب غريب يا زمان ، هربت منها ولمحت الرقيق عبدالحليم حافظ وديعًا نحيلًا يرتدى جلبابا صيفيا نصف كم ويضحك ضحكة صافية من القلب وعيونه الحزينة تدمع من شدة الضحك ، جلست إلى جواره فى حب وسألته بشكل تلقائى : ما هو رأيك فى لقب صوت مصر يا عندليب ؟ ، مسح دموعه من الضحك وقال : من هو طيب حبيبها ، حبيبها لست وحدك ، حبيبها أنا قبلك وربما كنت جئت بعدك وربما كنت مثلك ، العبرة بالصوت الذى يُشبه الحبيبة فى قوتها وضعفها ، تمدد العندليب فى جلبابه على الأريكة وأغمض عينيه وراح فى نوم لطيف ، بينما كان الأستاذ محمد عبدالوهاب يشرب الينسون الساخن ويتنحنح وكأنه يُسخن أوتار صوته من أجل القُدرة على الغناء السليم، خجلت أن اقتحمه فى تلك اللحظة لكنه نظر إلى من خلف عوينات نظارته الطبية وقال بصوت رقيق : صوت مصر موضوع كبير وأنا أجبت على هذا السؤال فى أوبريت الحبيب المجهول بلسان حسين السيد وصوت ليلى مراد ولحنى حينما قلت وأقوله لهم جميعا : لكن خيال حبيبى المجهول مش لاقيه فيك حاجة منه ، ثم يضحك ضحكته الثلاثية ذات الإيقاع المميز وكأنه توقيعه يوقعه بقلمه.
فى نهاية الكلام دفعنى خيالى نحو شاطئ النيل تحت شجرة وارفة تصل أغصانها وفروعها الطويلة إلى سطح النهر كأنها تُقبله وتحت ظلالها تجلس شادية وبليغ حمدى ومحمد حمزة مندمجين فى حب وحماس حقيقى وصادق ويغنون فى نفس واحد : يا حبيبتى يا مصر يا مصر يا بلادى يا أحلى البلاد يا بلادى ، وأسرتنى بساطتهم وصدق أنفاسهم واندمجت معهم فى حماس حتى سالت دموعى وهتفت : أنتى صوت مصر يا ست شادية ، احمرت وجنتاها فى خجل وهمست : إزاى وهناك سيدة تُسمى أم كلثوم لفت الدنيا بصوتها لتتبرع بأجر حفلاتها للمجهود الحربى ، ضحك بليغ حمدى وقال بصوت طفولى : هنا لن تأخذ منا عقاد ولا نافع فى سؤالك ، يمر الشيخ إمام يتأبط أحمد فؤاد نجم ضاحكان ساخران وينظر لى أحمد فؤاد نجم فى سخرية وهو يكلم الشيخ إمام : مسكين يبحث فى الشارع الغلط كمن يُعبأ الماء فى الغربال ، صوت مصر يا حبيبى لازم يكون من بطنها من قلبها ، يرفع محمد منير صوته طازجًا كنخلة فى أرض الجنوب ويقول : يا مصر وانتى الحقيقة وانتى اغترابى وشقايا ، يهتف أحمد فؤاد نجم : قوله يمكن يحس على دمه ، وهنا يختفى المشهد بأكمله وأعود وحيدًا فى الضوء الشحيح و شيرين تُدندن بصوتها المجروح ، يبدو أن هذا الصوت جرحه الإحساس فزاده النزف والألم بهاء ، ومع كلمة بهاء مر صوت بهاء سلطان ولفح صوته الغرفة كهبة هواء ساخنة تحمل أصوات المصريين جميعًا بينما كان صوت على الحجار فى درجة القرار يُردد بلا توقف كلمة يا حبيبى حتى صار قلبى أذنا تسمع وتدق فى سعادة وطرب وفى سماء الحجرت طارت أصوات عديدة متداخلة مُترنمة تجمع بين صوت عمر فتحى وإيمان البحر درويش ومدحت صالح ، بينما صعد ويجز فوق المكتب بجلباب بلدى مصرى مميز وأخذ يغنى بعنفوان وشباب وقوة كلمات مُختزلة مكثفة كأنها أغانى تتحول لحظيا إلى طاقة ، امتلأت الغرفة بالأنغام وتسلطنت فيها أنغام وهى تنادى : إلقالك حد وصفق لها صالح عبدالحى وغنى : ليه يا بنفسج بتبهج وانت زهر حزين ، ضرب الشيخ زكريا كفًا بكف وقال : الظاهر غنك تعيش فى الخيال ، وأثنى على عزيز الشافعى وتامر عاشور بينما رنت ضحكة الشيخ سيد مكاوى كأنها لحن فريد ، وقال فريد الأطرش بعد آهة طويلة : يعجبنى حزن تامر عاشور ، شعرت بالازدحام والارتباك وفتحت باب غرفتى وهربت لأجد نفسى فى أرض زراعية فى صعيد مصر استمع إلى الريس متقال وحفنى أحمد حسن وأسير خلف جابر ابوحسين الذى يحمل الربابة ويقول بهمة فارس : بعد المديح فى المكمل احمد أبو درب سالك ، راح نحكى سيرة واكمل عرب يذكروا قبل ذلك ، كانوا ناس يخشوا الملامة رئيسهم سبع زين يسمى الهلالى سلامة.
أدركت أن الأمر قديم جدًا وله جذور وله منبع ومصب تمامًا مثل نهر النيل وشمس الأصيل التى تذهبه كل يوم ، إننا بلاد قديمة ، بلاد تطرح فيها أشجار المواهب بثمار الفن فى كل موسم ووقت وحين ولا يمكن أن يتم تلخيصها فى صوت واحد أو فنان واحد يقترن اسمه باسم مصر .

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







