حكاية وطن

هانئ مباشر يكتب: «السودان».. يا عطر الصبايا على شاطئ النيل!!

هانئ مباشر
هانئ مباشر


● يعيش أهالينا في السودان اليوم "حالة بشعة" ضمن بشاعة آخر 30 سنة عاشها السودانيون والعرب والشرق كله منذ جاءت مقدمات تلك الريح السامة فيما يعرف كذبا وبهتانا بالربيع العربي..وعلى سيرة العرب والعروبة - "منذ تعريب الدواوين حتى خزعبلات القومية العربية" - ماذا قدم العرب للسودان منذ "مذابح الدراويش" حتى تقسيمه؟!.. كم طالبا عربيا يعرف عاصمة السودان أو كاتبا أو معلما آثاريا في السودان؟!..

إننا ومنذ فتوحات المسلمين ونحن نركض خلف العالم الأبيض ولا نذهب نحو إفريقيا؟!.. لا أعرف أيهما أقرب علينا التشاد أم الأندلس؟!.

•• وهنا لا أتحدث عن مصر وعلاقتها بالسودان بشكل خاص او حتى علاقتها مع إفريقيا بشكل عام، فلا يتسع المقام للعودة الى العلاقات "المصرية - السودانية والإفريقية" في أزمنة مصر المختلفة، لكن النظرة العميقة والاستراتيجية لجذور مصر "السودانية والإفريقية" فإننا يمكن أن نستعيرها من "الدكتور بطرس غالي الأمين العام السابق للأمم المتحدة" والذي كتب في مذكراته الشخصية أن أول رحلة سمح له والده الباشا الأكبر بالقيام بها في حياته كانت إلى "السودان"، وليس إلى أوروبا ولا أمريكا..

وحين سأل بطرس عن السر أخبره الاب عن أهمية أن تتفتح عينه على القيمة والأهمية الكبرى التي تمثلها إفريقيا للمصريين ولحياتهم، وعليه لم يكن غريبا في وقت لاحق أن يتجه اهتمام بطرس غالي الأول والأكبر طوال عقود خدمته في الدبلوماسية المصرية، صوب إفريقيا، والأفارقة هم الذين رشحوه لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة..

وكذلك عندما أشار العلامة جمال حمدان ونظرته العميقة والاستراتيجية لجذور مصر الإفريقية وأن هناك أمر يمثل أمن مصر القومي ولا مجال للتهاون فيه؛ وهو "مياه النيل"، وبديهي أن مسالة مياه النيل تتقاطع مع العمق الإفريقي طولا وعرضا، وشكلا وموضوعا..

وللأسف الشديد أهمل هذا الملف بشكل أراه يرتقي إلى مصاف الجريمة بحق الوطن.. وترك "الوعي" لدى الشعب يتشكل كما قال لي أحد السفراء الأفارقة ذات يوم - وهو يشغل حاليا منصبا وزاريا في بلاده - ترك في "قدم لاعبي كرة القدم" - الذين كانوا يبررون خسائرهم بالسحر والشعوذة وأن الأفارقة عرايا وأكلي لحوم البشر  وكذلك الأعمال الفنية السخيفة التي تسخر من أهالينا في افريقيا قبل أن يفاجئ الجميل بنهضة أفريقية رغم كل الصراعات..

وهو تنبهت اليه الدولة المصرية بدأت في استعادة إفريقيا بمثابة عمق استراتيجي لها، ويمكن الجزم بأن مصر قد خطت خطوات جذرية في سياق إعادة ضبط المسافات من القاهرة إلى غالبية أو كل العواصم الإفريقية، والمؤكد أن الفضل الأكبر في هذا الإطار يعزى إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي والذي أعادة تقييم المشهد..

وبالتاكيد فإن ( السودان ) كانت ومازالت على قمة هذا المشهد..

لكن هذا ليس أوان الحديث فهناك تفاصيل فيه لها كلام آخر وكثير جدا..

نعود إلى "السودان الجريح"..

الذي هو بريء منا، كما هو بريء من علاقاتنا الخارجية كعرب وتمويلهم لمشاريع في السودان، كأن العرب يريدون السودان بصورة سفرجي في السينما أو شهادة جامعية بالانتساب يحبها جيل المسؤولين الرواد الجهلاء أو أغنية شعبية سودانية يتندر بها رواد مواقع التواصل!..

"السودان" أنبل من هذا كله، "السودان" ليست هذا كله..

من عاشرَ سودانيا ثقيل الظل؟!..

من عرف سودانيا لئيما؟!.. كم عدد الشيوخ السودانيين الذين فتنوا أولادنا بالجهاد والتكفير وأرسلوهم إلى دول الحرب والدمار؟!.. ما نصيب السودان في تفشي المخدرات وتجارة الجنس وقنوات غسل الأدمغة والتمويل المشبوه للحروب والعصابات؟!..

•• أما الأسئلة الأكثر حزنا: كم شاعرا سودانيا تعرف؟!..كم قصة ومسرحية من الأدب السوداني درست في المدرسة؟!.. كم عدد الاتفاقيات والتداخلات والتوافقات "المصرية - السودانية"؟!..

( السودان )..

بلد يملك أرضا هائلة الخضرة، شعبا يغرق في السكينة والود، إن "لمعّان أسنان" السوداني حين يضحك قادم من أغنيات النيل، كذلك الابتهاج على وجه السودانيات القادم من أغنيات الريف ومحطات القطار والملابس الملونة والأصوات الناعمة الطويلة.. تخيل من أي أرض خرج صوت كمال ترباس وهو يصيح:

"تسافر كيف وانا قلبي أسيرك"!..

وتخيل من أي حافة سودانية تنساب حنجرة سيد خليفة
وهو يقول:

"كانت ايام يا وطنى زى الاحلام ياوطنى"!!..

( السودان )..

الذي كتبت فيه ملكة الدار محمد "الفراغ العريض"، كذلك العالمي الطيب صالح وعيسى الحلو وإبراهيم إسحاق..

والسودان شعرٌ هائل بطول النيل على عكس أعمار شعرائه مثل التجاني يوسف بشير وإدريس جماع، والشاعر الذي أدهش أم كلثوم في "أغدًا ألقاء" الهادي آدم، ثم أكثر الشعراء السودانيين انتشارا المُجدد المُحلق محمد الفيتوري..
إنه السودان حيث تتنهد الكلمات ظلما واختناقا وتفردا تَخِيطُه السمراءُ بهمةٍ آسيوية!..

( السودان )

قليل الغضب، لكنه حيث غضب في الثورة المهدية تحدى امبراطورية، والغضب قادم من ظلم طويل بدأ بالإنجليز "سبب كل بؤس العالم"، ثم إبتلي بكل مثيري الحروب الأهلية مثل إبراهيم عبود وتوابع أنانيا والنميري والبشير والترابي، تلك الحروب التي خنقت البلاد وأعطت مبررا لقوى الشر أن تخنقها..

لا أحد يخسر في السودان إلا الأرض، وهي إنسان البلد.

( السودان ).....

صوفي جدا؛ تسكنه حضرات الأولياء والأنبياء ناقصي الوحي، إنهم يتشظون حبا وشغفا بالسدرةِ وما فوقها..
السلامُ على السودان؛

الذي أبعدوه عنا وقيدوه وتركوه وحيدا..