«فصل جديد» فى العلاقات المصرية التركية

غدا.. الرئيس السيسى فى زيارة تاريخية لأنقرة

الرئيسان عبد الفتاح السيسى ورجب طيب أردوغان خلال توقيع إتفاقيات فى القاهرة فبراير الماضى
الرئيسان عبد الفتاح السيسى ورجب طيب أردوغان خلال توقيع إتفاقيات فى القاهرة فبراير الماضى


البلدان يخططان لتوقيع عدة اتفاقيات تعاون فى مجالات الطاقة والسياحة

هنا فى أنقرة يبدأ الرئيس عبد الفتاح السيسى غدا زيارة تاريخية إلى تركيا، وفقاً لما أعلنه الإعلام التركى فالزيارة التى تعد الأولى من نوعها منذ تولى الرئاسة فى 2014 وتعتبر بداية فصل جديد فى العلاقات بين البلدين، تحمل أبعاداً سياسية مركبة واقتصادية مهمة فى آن واحد.


سياسياً، وفيما يتعلق بالعلاقات الثنائية بين أنقرة والقاهرة، فهذة القمة المرتقبة بين الرئيسين المصرى والتركي، تؤسس لمرحلة استراتيجية جديدة فى العلاقات بين البلدين، وتقطع مسافات كبيرة فى طريق بناء الشراكة بينهما، حيث يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها تعميقًا لمسار المصالحة بين مصر وتركيا، قبل أن تعرب الأخيرة عن رغبتها فى استعادة دفء العلاقات مع مصر، لتبدأ بعدها سلسلة زيارات لمسئولى البلدين ذهاباً وإياباً بين العاصمتين، بهدف التفكيك التدريجى لأوجه الخلاف، ثم ما لبثت هذه الجهود أن توجت بزيارة للرئيس التركى رجب طيب إردوغان إلى القاهرة فى فبراير الماضي، طوت سنوات الجمود، واتفق خلالها الجانبان على رفع العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء، وإعادة تشكيل اجتماعات مجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى بين البلدين، ومن قبلها المصافحة الشهيرة بين الرئيسين على هامش افتتاح مونديال قطر عام 2022.


فى المنظور السياسى أيضاً، لكن على المستوى الإقليمى والدولي، تأتى هذه الزيارة فى وقت بالغ التعقيد، يبدو فيه الشرق الأوسط قابعاً على فوهة بركان، فإلى جانب ركود عوامل الحل فى الأزمة السورية، وغياب الإرادة الدولية لإنهاء الانقسام الليبي، واستمرار القتال الدامى فى السودان، أثار زلزال العدوان الإسرائيلى على قطاع غزة والضفة الغربية ارتدادات إقليمية واسعة النطاق، وفتح عدة جبهات من التوتر ، واحدة بين إسرائيل وحزب الله ، وأخرى بين إسرائيل وإيران ، وأشعل جبهة ثالثة نجمت عن هجمات الحوثيين على السفن فى البحر الأحمر وتهديدها لحركة الملاحة الدولية، ما بات ينذر بتصعيد خطير غير محسوب، وخلق فى الوقت نفسه تداعيات إنسانية قاسية.


هذه التطورات غالبًا ستشغل حيزاً من مناقشات الرئيسين، فمصر التى تمثل رقماً مهماً فى معادلة السلام فى الشرق الأوسط، لا يمكن القفز عليه أو تجاهله، تتمسك بالمرجعيات الدولية وفى مقدمتها حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية على حدود عام 67، كما تجمع كل الأطراف الدولية على كونها لاعباً أساسياً فى هذا الملف نظراً لقدرتها على إدارة العملية التفاوضية، ولأنها وسيط تاريخى يتمتع بالنزاهة والمصداقية والقدرة على التأثير لدى الطرفين الفلسطينى والإسرائيلي، وهى أيضاً معنية بالتطورات الميدانية داخل قطاع غزة لاعتبارات تتعلق بأمنها القومي، كذلك لتركيا مواقف بارزة فيما يتعلق بحل الدولتين ووقف المجازر الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، هذه المواقف المتقاربة تمهد الطريق نحو إعادة هيكلة العلاقات المصرية التركية وبناء نظام إقليمى أمنى تضطلع فيه الدولتان بأدوار إيجابية ومنسقة.


ولا يقل ملف غاز المتوسط أهمية فى أجندة اللقاء المنتظر بين الرئيس عبد الفتاح السيسى ونظيره التركى رجب طيب إردوغان، حيث يمكن لكل من مصر وتركيا، من خلال التنسيق والتعاون فى ملف ممرات التجارة والمضائق والغاز أن تساهما فى تعزيز الاستقرار فى البحر المتوسط، فمصر التى استثمرت خلال السنوات الماضية فى علاقتها بكل مع اليونان وقبرص، تستطيع أن تلعب دورًا أكبر فى تقريب وجهات النظر وإدارة الخلاف بين أنقرة ونيقوسيا وأثينا بما يخدم مصالح وأهداف الكل.


أما على الجانب الاقتصادى، فمن المتوقع أن يتم خلال هذه الزيارة توقيع عقود واتفاقات تعاون تجارى واقتصادى تصل إلى مليارات الدولارات، خاصة أن حجم التبادل التجارى بين البلدين يبلغ وفقاً لإحصاءات حديثة 10 مليارات دولار، ويرغب الجانبان فى رفعه إلى 15 مليار دولار سنوياً، وهناك استثمارات كثيرة ومتنوعة من المستثمرين الأتراك فى مصر تزيد على 3 مليارات من الدولارات، حيث تعمل عشرات الشركات التركية فى مجالات متعددة، منها الملابس الجاهزة والأجهزة المنزلية ومتاجر وسلسلة متاجر السلع الغذائية وغيرها من المشروعات، وفى مقدمة الأولويات يأتى التعاون فى مجال الغاز الطبيعى المسال الذى تنتجه مصر والطاقة النووية، فضلاً عن توسيع اتفاقية التجارة الحرة القائمة واستئناف شحن البضائع بين ميناء مرسين التركى والإسكندرية فى مصر.


الزخم السياسى والاقتصادى المصاحب لزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى تركيا، سبقه اهتمام إعلامى كبير داخل الصحف التركية، فقد عنونت صحيفة زمان فى صدر نسختها العربية « تركيا تترقب زيارة الرئيس المصرى إليها» حيث تنبأت بأن تشهد العلاقات بين مصر وتركيا المزيد من التطور خلال الفترة القادمة، معتبرة هذا التقارب يعزز أواصر الأخوة التاريخية بين البلدين.


من ناحيتها، وصفت صحيفة ميلليت اليومية الزيارة بالتاريخية، وتوقعت أن تكون الحرب فى غزة البند الأول فى نقاشات الزعيمين، مع التركيز على جهود وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع، بالإضافة إلى مجموعة من الملفات الإقليمية مثل الوضع فى ليبيا والسودان وكيفية تحقيق الاستقرار داخل بؤر التوتر فى القارة الإفريقية، فضلاً عن التعاون الثنائى فى مجالات الدفاع والطاقة والسياحة. كما اعتبر مقال رأى نشرته صحيفة صباح التركية أن الأزمات الإقليمية تعطى التقارب المصرى التركى دفعة قوية نظراً لأهمية البلدين والثقل الاستراتيجى الذى تتمتع به كل من أنقرة والقاهرة وقدرتهما على تشكيل توازن قوى يستند إلى التوافق، ويلفت المقال إلى أهمية الملف الفلسطينى بالنسبة لمصالح الدولتين.


فيما رصدت صحيفة جمهورييت أبرز المحطات التى مرت بها العلاقات المصرية التركية خلال العقد الماضي، بدءا بالفتور فى المواقف السياسية، مرورا بجهود إذابة الجليد، وصولا لما وصفته الصحيفة بـ»الشراكة العظيمة»، ولفتت الصحيفة إلى أن المصالحة مع مصر هى جزء من الإصلاح السياسى الذى سعت تركيا لتحقيقه فى السنوات الأخيرة من خلال تطبيق سياسة «صفر مشاكل» وحلحلة الخلافات مع الدول المجاورة والكبري.