صفاء النجار في «مقامات الغضب»: الحياة جحيم بلا أخلاق

د. صفاء النجار
د. صفاء النجار


في أحدث رواياتها «مقامات الغضب» تصحبنا صفاء النجار في رحلة شائقة عبر فترة زمنية ممتدة من قبل يوليو 1952 إلى ما بعد يونيو 2013، مرورًا بيناير 2011، من خلال عائلة مصرية لا يعرف أفرادها الاتزان، عائلة تمتلك الميل الوراثي للخسارات الدائمة حتى النهاية، دائمًا على طرفى النقيض إما الغضب والتمرد أو الخنوع والاستسلام، تقاطع مصيرها مع مصير الوطن في مرحلة زمنية حرجة من تاريخ البلاد، وشكل الغضب طريقها للخروج من مصير الوجع بحياتهم، وأصدرت د. صفاء من قبل روايتين: «استقالة ملك الموت»، و«حسن الختام»، و4 مجموعات قصصية، وعن «مقامات الغضب» كان اللقاء معها:

«المغامرة، الحيرة، الترقب، والترحال»، هى مقامات جرى من خلالها التعبير عن حالة الغضب خلف كواليس كل شخصية فى روايتك «مقامات الغضب» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، حكت كل شخصية حكايتها بصوتها، إلى أى مدى ساعدك ذلك فى الكتابة؟

أن تحكى كل شخصية حكايتها يمنح المبدع حرية التعبير عن رؤية كل شخصية، لكنه يمثل اختبارًا صعبًا لمدى قدرة الأديب وتمكنه من التعبير عن كل شخصية، فكل شخصية لها سماتها النفسية ،ورؤيتها للعالم، وإيقاع حكيها، ثم كيفية تقديم كل هذه الرؤى المختلفة فى نسيج متماسك لا يوجد به خلل أو تفاوت، فيظهر النص كلوحة «فسيفساء» مكتملة.

«أروى، سلوى، اللواء يسري صالح»، الشخصيات الرئيسية فى الرواية، هى عائلة دائما على طرفى النقيض، تقاطع مصيرها مع مصير الوطن فى مرحلة زمنية حرجة من تاريخ البلاد، وشكل الغضب طريقها للخروج من مصير الوجع بحياتهم، كيف استطعت الربط بين مصير العائلة، ومصير الوطن فى حكاية واحدة؟

◄ اقرأ أيضًا | "استقالة ملك الموت" أحدث إصدارات هيئة الكتاب

ارتبط مصير العائلة بمصير الوطن منذ بداية الدولة الحديثة وظهور الإقطاعيات الزراعية ونمو الطبقة العليا التى اعتمدت على ما تملكه من أبعديات زراعية ودور سياسي، وجاءت ثورة ٥٢، وقوانين الإصلاح الزراعي فتقلصت هذه الطبقة، وأرادت العائلة أن تبحث عن مصدر جديد للنفوذ، فكان الحرص على دخول ابنها كلية الشرطة، وبمرور السنوات ،وقيام ثورة يناير ٢٠١١ ، وبعدها يونيو تتفاعل شخوص العائلة مع التغييرات السياسية والاجتماعية، ويصيب أفرادها ما يصيب الوطن من تشتت وتردد ولا يقين.

«أروى» بطلة الحكاية، هى تعبير واضح عن حالة الغضب خلف الكواليس، الخسارات المتوالية لعائلة تمتلك الميل الوراثى للخسارات الدائمة حتى النهاية، تقول فى رسالة لصديقها: «أكتب إليك، وأنا على مفترق طرق»، إلى أى مدى ارتبط الخيال بالواقع فى الأحداث؟

الواقع هو الإطار العام للرواية، الفضاء الذى تتحرك فيه شخصيات الرواية سواء كان واقعا آنيا أو تاريخيا، ولكن تفاعل الشخصيات، ورسم ملامحها، وردود فعلها هو الخيالى، فلا يوجد نموذج استلهمت منه أية شخصية، لكن توجد نماذج ملامح من شخصيات جرى الإضافة أو الحذف منها، فهى شخصيات تخليقية، وإن كنت ستجد لها صدى ،أو انعكاسا لبعض السلوكيات فى الواقع الحياتى، وهى تعبير عن الفترة التى تعيش فيها، فهى ابنة عصرها.

◄ وما ملامح عملك القادم؟

أعمل الآن على رواية جديدة، واقعية اجتماعية سأمنح قراءك مقطعا منها:

تسخر «ألين» من قلقها: ستصابين بجحوظ العينين، تكاد عيناك أن تقفز من محجرهما خلفه أو كى تلتقيه، أنت تخنقينه!!، تنظر أمى لي، تستنجد أن أدعمها، أعرف لولا حمايتها لى ما عشت أكثر مما توقع الأطباء، تعلم أنى ممتن لكنى أطمع فى بعض البراح، توسيع الطوق وليس فكه.

فى لحظات الصفاء حين تخلع قلقها الفطرى، وتتجاهله، وتدعونى للجلوس فى الحديقة الخلفية للبيت وقت الغروب، حين لا يتبقى من علامات للشمس سوى بقع ضوئية خافتة تصعد فى ثبات على سور الحديقة، فيغمرنا الظل، ويطارد البقية من الضوء، نجلس على الدرجات الخشبية المكسوة بالعشب، أجلس على الدرجة الثانية، وتجلس على الرابعة، أضع رأسى على فخديها، وتبدأ أصابعها فى تخلل شعري، وعندما تطمئن لسيادة الظل، تستريح عضلاتها المشدودة، وتعود بظهرها ورأسها للخلف، وتهمس لي: عيناك حقل حنطة وأهدابك شجرة صفصاف، تتسع ابتسامتها ويسقط وميضها على جلدي، أمسك يدها الرقيقة بين يدى وأقبلها، فتقبل شعرى وهى تقول: أنت ملاكي، الذى ساندنى فى الحياة ، لولا أنت، لولا طيبتك، وهدوؤك وتفهمك، لكانت الحياة أصعب أنت من يسر كل الصعاب، وجعلتنى لا أحمل هما، أنت ملاك.