■ بقلم: جبران خليل جبران
في أعماق البحر الذي يحيط بالجزائر القريبة من مطلع الشمس .. هنالك فى الأعماق حيث الدُّرُّ الكثير .. جثة فتى هامدة بقربها بنات البحر ذوات الشعور الذهبية .. قد جلسنَ بين بنات المرجان ينظرن إليها بعيونهن الزرقاء الجميلة ويتحدثن بأصواتٍ موسيقية.
حديثًا سمعته معظم صفحة البحر وأعماقه فحملته الأمواج إلى الشاطئ .. فجاء به النسيم إلى نفسى.
قالت واحدة : هذا بشريٌّ هبط بالأمس إذ كان البحر شديد الغضب.
قالت الثانية : لم يكن البحرغاضباً .. ولكن الإنسان الذى يدَّعى بأنه من سلالة الآلهة .. كان فى حربٍ حامية سُفكت فيها الدماء حتى صار لون الماء قرمزيًّا .. وهذا البشريُّ هو قتيل الحرب.
فقالت الثالثة : لا أدرى ما هى الحرب .. ولكنى أعلم أن الإنسان بعد أن تغلَّب على اليابسة طمع بالسيادة على البحر .. فابتدع الآلات الغريبة .. وجرت فى البحر بدفع الماء .. فانتفض نبتون إله البحار وغضب من هذا التعدِّى .. فلم يرَ الإنسان بُدًّا إذ ذاكَ من إرضاءِ مليكنا بالذبائح والهدايا .. فالأشلاء التى رأيناها بالأمس هابطة هى آخر تقدمة من الإنسان إلى نبتون العظيم.
قالت الرابعة : ما أعظم نبتون ! ولكن ما أقسى قلبه ! لو كنتُ أنا سلطانة البحار لما رضيت بالذبائح الدموية .. تعالَيْنَ لنرى جثة هذا الشاب .. فربما أفادتنا شيئًا عن طائفة البشر.
اقتربت بنات البحر من جثمان الشاب وبحثنَ فى جيوب أثوابه .. فعثرنَ على رسالة فى الثوب الملاصق لقلبه.
◄ اقرأ أيضًا | شاهد احتفاء موسكو بجبران خليل جبران
أخذت الرسالة واحدةٌ منهن وقرأت :
- يا حبيبى .. ها قد انتصف الليل وأنا ساهرة .. وليس لى مُسَلٍّ غير دموعى ولا مُعَزٍّ سوى أملى برجوعك إليَّ من بين مخالب الحرب .. ولا أقدر أن أفتكر إلا بما قلتَهُ لى عند الوداع بأن عند كلِّ إنسان أمانة من الدم لا بدَّ من ردِّها
يومًا .. لا أدرى يا حبيبى ماذا أكتب ؟
بل أترك نفسى تسيل على الورق .. نفسٌ يُعذبها الشقاء ويُعَزِّيها الحب الذى يجعل الألم لذة .. والأحزان مسرَّة.
عندما وحَّدَ الحبُّ قلبَيْنَا وصرنا نتوقع ضم جسمين تَجُولُ فيهما روحٌ واحدة نادتكَ الحرب .. فاتَّبعتها مدفوعًا بعوامل الواجب والوطنية.
ما هذا الواجب الذى يُفَرِّق المحبين ويُرَمِّل النساء ويُيَتِّم الأطفال ؟
ما هذه الوطنية التى من أجل أسبابٍ صغيرة تدعو الحرب لتخريب البلاد ؟
ما هذا الواجب المحتوم على القروى المسكين .. والذى لا يحفل به القويُّ وابن الشرف الموروث ؟
إذا كان الواجب ينفى السلم من بين الأمم .. والوطنية تزعج سكينة حياة الإنسان فسلامٌ على الواجب والوطنية.
لا .. لا يا حبيبى .. لا تحفل بكلامى بل كُن شجاعًا ومُحِبًّا لوطنك.
ولا تسمع كلام ابنة أعماها الحب .. وأضاعَ بصيرتها الفراق.
إذا كان الحب لا يرجعكَ إليَّ فى هذه الحياة .. فالحب يضمنى إليك فى الحياة الآتية.
وضعتْ بنات البحر تلك الرسالة تحت أثواب الشاب .. وسبحنَ بسكينةٍ مُحزنة .. ولمَّا بعدنَ قالت واحدةٌ منهنَّ : إن قلب الإنسان أقسى من قلب نبتون.
من كتاب «في عالم الرؤيا»

أجمل ممثلة في مصر.. أنقذت الريحاني من السجن
طائر العنقاء.. جسم بطة ورقبة ثعبان
حكاية كلب أبكى نجيب الريحاني






