ابتسامة بوذا: تعطيل الجسد وغرابة المعنى

صورة موضوعية
صورة موضوعية


د. رشا الفوال

إذا افترضنا أن  القراءة متعة؛ فالكتابة رغبة فى الإخبار عن الممنوع، وكشف ما تم قمعه وكبته خاصة فى ظل الأحداث المرتبطة بأزمة المعنىَّ كأوضح مؤشرات الفراغ الوجودي.

 فى رواية «ابتسامة بوذا» الصادرة عن دار خطوط و ظلال للكاتب شريف صالح، يمكننا فهم القمع باعتباره آلية نفسية واعية خارجية مفروضة على الإنسان، والكبت باعتباره آلية داخلية غير واعية؛ ولأن الغرابة ترتبط بكل ماهو مكبوت، يمكننا تفسيرالغرابة باعتبارها حالة خاصة من التفكير قريبة من الخوف والألم، تتضح فى تعامل الأشخاص مع الأحداث غير المألوفة على أنها أحداثًا عادية.

لنبدأ من عنوان الرواية: ابتسامة بوذا الذى يقود المتلقى غالبًا إلى معنى المعنى؛ فإسم: بوذا يضعنا فى مواجهة مع دلالته المعتقدية، ثم الجملة الخبرية: ناديت باسمك على الماء وما فيها من إحالة صريحة على نهاية متن الرواية حيث الوصول إلى علاقات غير مرئية مع الأشياء؛ لنكتشف من خلال عوالم المعانى المضطربة أن بنية النص/ الجسد قائمة على تفسير الاجتماعى بالفردي.

ولأن الجسد بسلطته الوجودية هو بؤرة النص؛ فوعى بطل الرواية لا ينفصل عن الجسد الذى يحمله؛ بالتالى أدى تعطيل الجسد إلى حصر وظيفة الوعى فى الصراع من أجل ترويض هذا الجسد أولًا، والتكيف مع المحيط الاجتماعى ثانيًا.

أولًا: خطاب الأيروتيكية واستلهام النص الإنساني
الجسد هو أول موضوع تُمارس عليه السُلطة فعلها، بالتالى فكتابة الجسد الأيروتيكية تشمل: الحوافز العدوانية أولًا؛ فبطل الرواية بداخله استثارة خفية لمواعدة امرأة متزوجة، وحوافز الإغواء ثانيًا؛ فالمرأة التى يواعدها «العرى من وجهة نظرها لحظة تتساوى فيها الأجساد بلا زيف ولا ادعاء بطولة»، تشمل ثالثًا المعانى الفلسفية التى تصل بالإنسان إلى التحرر من سطوة غرائزه فى النهاية، بطل الرواية يقول محاورًا ذاته: «طبيعى أن يختلف ما نفكر فيه وحدنا، عما نفكر فيه بحضور الآخرين»، هذه الجملة الذهنية تمهد لنا الكيفية التى انسلخ بها البطل عن زماكانية الحكاية؛ فالرغبات المتفتحة تتعارض مع الجسد المقموع.

يبدأ خطاب الأيروتيكية ـ فى الرواية ـ بالافتتان، ثم تداخلات الوهم والحقيقة؛ فعندما تكون الأيروتيكية مادة للخيال يصبح العالم الوهمى حقيقيًا، من خلال استلهام النص الإنسانى مع ملاحظة أن وظيفة الأحداث والحكايات الثانوية (حكاية الجارة السمراء العانس/ حكاية الجار الخواجة قصير القامة/ حكاية مستر كيرميت مدير الشركة/ حكاية الأم التى ورث منها الخوف) تتلخص فى العمل على تفكيك الحدث الرئيس من أجل إعادة الصياغة، والمونولوجات الذهنية أيضًا تخبرنا عن انغلاق البطل  الذى عجز عن التوقف عن كونه ما هو عليه بالفعل.

ثانيًا: تفتيت السرد الواقعى إلى وحدات غرائبية
الغرابة مفهوم ملتبس يجمع بين الآمن والمخيف فى شخصية الإنسان؛ فالبطل فى سبيل مجابهة التوتر انطلق من الحافز الاندفاعى القوى لممارسة الحب، إلا أن ازدواجية حضوره الذكورى (الجسد) مع غياب الأنثى (الروح) تسببت له فى الشعور بالوحشة والتمزق، هنا أدى تعطيل الجسد إلى اتحاده بالأشياء، وأدى أيضًا إلى إحالاته المتعددة (الجسد المستبعد/ الجسد المراقب) وصولًا إلى الجسد الحر، فالبطل عندما فتح الموبايل وجد من حبيبته: تاليا جملة واحدة «شكرًا على الخيانة، ومن الليلة الأولى يا وغد» الإحالات المتعددة للجسد ارتكز عليها الكاتب من أجل انخراط البطل فى الممارسات الاجتماعية التى تقود إلى حرية التفكير والوعى بالذات.

لتبدأ سلطة المعنى المنطلق من الجسد؛ لأن لعبة الاختفاء/ الظهور ساهمت فى التنقل من معنى إلى معنى، وقراءة الواقع من خلال التخييل أدت إلى تشظى القلق، وكأن ألم التجربة هو الذى يقود البطل إلى المعرفة، معنى ذلك أن العلاقة بين ذات البطل والآخرين لم تعد علاقة مواجهة، بل علاقة تبادلية مشروطة وكأن معرفة الآخر شرط معرفة الذات.

معرفة الذات فى الرواية تحققت بصورة انفعالية عاطفية؛ لأن السلطة التى تمارس لذتها عبر المراقبة والسؤال والكشف والتفتيش، توفر للذة أحلام البطل أدوات المقاومة للتحصن من الانكشاف من خلال رقابتها، هنا لابد أن نقف عند مفهوم الانفتاح على الخبرة الذى منح الذات وسيلتها فى سبيل الإطلاع المستقل على قوانين الطبيعة والمجتمع والأخلاق، معنى ذلك أن البحث عن المعنى جعل البطل سيد نفسه، حيث تجاوز المعرفة الموضوعية والسعى إلى الوقوف على حكمة تحقق له السعادة والإحساس بالكمال.

كما أن تداخل الوعى وكثافته أديا إلى: أولًا إحساس البطل بالانقسام، ثانيًا توسيع حيز الغرائبية كنتاج طبيعى لتعطيل الجسد، ثالثًا المخاطرة فيما يخص المغامرات الأخلاقية.

العلاقة بين الشخصيات فى الرواية علاقة انفصال، تبدأ من علاقة البطل بوالدته الحاجة: كريمة التى تعانى توهم المرض، ولديها سلسلة مخاوف طويلة، والتى ماتت بطريقة مضحكة، وتوقع أن يبكى عليها، لكن هذا لم يحدث، وعلاقته بوالده الذى هجرهم إلى الكويت وعمره سبع سنوات وتزوج فلبينية صغيرة السن، وعلاقته بالشيخ: شعبان الذى كانت بشاشته تخدع قلوب الأمهات، ثم علاقته بــ: تاليا المرأة التى يواعدها ولا تأتي، وصولًا لعلاقته بالشخصيات المتخيلة التى ساهمت فى إحساسه بالضياع.

الزمن فى الرواية أشبه بالهوه السحيقة التى نعتبرها قوة ضاغطة أبرزت الأحداث الفرعية فى شكل لقطات منوعة، يمكننا اعتبارها قفزات سردية دالة؛ فكل لقطة متصلة بمونولوج ذهنى لتجسيد حال التبعثر النفسى للبطل، يقول البطل لذاته: «الزمن وهم لا معنى له».

ثالثًا: الانزعاج ما بعد الحداثى وأزمة المعنى
من منظور نفسى ما بعد الحداثة هى حالة من الفزع الناجم عن فقدان المحددات الإجتماعية، وشيوع الإحساس بالضياع، إنها ثقافة الأزمة، ربما لذلك لاحظنا أن دورة أفكار البطل المبعثرة تشكل انزعاجًا من قواعد الحداثة فى المنتجع؛ فنراه متنقل بين أنماط اعتقادية باحثًا عن معنى الحياة.

أزمة المعنىَّ هذه صاحبها الإحساس باللايقين الذى يتضمن: التشكيك كنسق فكرى منغلق مرتكز على الجسد، ومحرض على التساؤلات.

والرفض الذى مارسه الكاتب من خلال التمرد السردى على أحكام القيمة ومفهوم الموضوعية. والاعتراف بالتعددية والحرية وتباين الأذواق، فى ذلك نراه ـ أى الكاتب ـ ينتبه إلى الأجزاء البسيطة والهامشية والمتشظية والأفكار المحظورة معرفيًا. فى رواية: ابتسامة بوذا خالف الكاتب النموذج السردى الواقعى بتفتيته إلى وحدات من خلال الكتابة الغرائبية الفنتازية.

وأفق المعية المستمد من الخطاب الصوفى جاء مؤسسًا لفكرة الذات كمسرح محايد يتلاشى فيه الانتماء العرقى واللغوى والثقافي.

واجهنا البطل الإشكالى والكتابة الذهنية المرتكزة على المونولوجات مع محاولة استجلاء المعنى من متاهة الذات. وأخيرًا الرواية تخاطب الإنسان من حيث هو إنسان، عبر الرحلة الفعل والرحلة الخطاب فرسالة الكاتب تخبرنا أن الحكاية الكبرى فقدت مصداقيتها بصرف النظر عن الشرائع ونمط التوحيد الذى يستخدم؛ لذا نراه من خلال الأحداث فقد تدريجيًا الحنين للحكاية الكبرى التى جاء من أجلها؛ ربما لأن ثنائية (التيه/ الانفصال) هى السمة الغالبة على مجتمع الرواية، اتضح ذلك فى حال ضياع المحددات الدينية والأخلاقية وارتفاع وتيرة الاستهلاكية، وسيادة مشاعر عدم اليقين، والاحتفاء بالأوهام؛ فالبطل ما بعد حداثى يرفض الماهوية ويعتقد بالعلائقية (فماهية الأشياء متصلة بعلاقاتها بغيرها)، وأعلى درجات الوهم لديه هى أعلى درجات التقديس.