هناك أسطورة حول "السد العالي"..
لهذه الأسطورة بداية وبالطبع لها نهاية..
في عصر "الفراعنة".. كان أجدادنا القدماء قد نجحوا في أن يقيموا أول نظام ري وصرف عرفه العالم..
إستأنسوا "نهر النيل" الذي كان نظرا متوحشا، تأتي مياه الفيضانات في وقتها المعلوم فتكتسح الشواطئ والأرض المنبسطة، وتسمح للوحوش النهرية - ومنها التماسيح وافراس النهر.. الخ - بأن تعبث كما تشاء.. وفي فصول "التحاريق" كانت مياه الفيضان تنحسر وتتبدد، وتترك وراءها مجموعة من البرك والمستنقعات والاحراش الفزعة!..
أخذ أجدادنا الفراعنة يجففون هذه المستنقعات ويطاردون الوحوش، ويمهدون الأرض الطيبة للزراعة، يشقون فيها الترع والمصارف، وأخذوا كذلك يستانسون النباتات ذات القيمة الغذائية ومنها "القمح"، ويزرعون الشعير والكتان والقطن.. الخ
ووقفوا بعض الوقت أمام الظاهرات الطبيعية التي تصاحب الفيضان.. وفي مجال علوم الفلك إستطاعوا أن يسبقوا البشرية كلها في وضع أول تقويم زراعي لا يخطئ الحساب والتوقيت.. وهو "التقويم الشمسي"..
وعندما ركزوا عيونهم على مجرى النيل فكروا طويلا محاولين أن يفسروا أسباب الفيضان وأسباب إختناق مجرى النهر في "منطقة الشلالات"..
وكالعادة.. ظهر التفسير الأسطوري قبل غيره؛ وإرتبطت أسطورة إختناق مجرى النهر عند الشلالات بالنظام الأسطوري الفرعوني الذي كان يجعل نهر النيل "كائنا معجزا" يقترب كثيرا من معبوداتهم..
وقالت الأسطورة التي تفسر وجود هذه الإختناقات أن إلها إسمه ( خنوم ) كان يسكن تحت مياه النهر في منطقة الشلالات، و"خنوم" هذا كان في ظنهم يؤدي وظيفة "القلب" بالنسبة للنهر!
قالوا إن "خنوم" كان يستقبل مياه الفيضانات فيحجزها، ليأخذ منها ما يحتاجه هو وما يلزم رعيته من المياه.. وبعد ذلك يسمح لبقية مياه الفيضان بأن تنحدر وتتدفق صوب الشمال..
كذلك يأخذ القلب من الدم ما يلزمه ثم يرسل جزءا منه إلى المخ ويوزع بقية الدم على أعضاء الجسم..
ولم يكن عجيبا أن تبدأ محاولة تفسير الظاهرات الطبيعية بالأساطير، فكل العلوم في حضارات مصر واليونان والهند ولدت من داخل إطار الخيال والحكايات الخرافية والاساطير..
لكن علماء ومهندسيهم لم يقفوا عند حدود "أسطورة خنوم".. فالعقل العلمي؛ يعتمد أولا وأخيرا على إجراء التجارب وإستقراء النتائج الثابتة..
ترك علماء الفراعنة الأساطير جانبا، وأخذوا يفكرون تفكيرا علميا متحضرا في مسألة "توفير" جانب من مياه الفياضانات وحجزه وإعتباره رصيدا مخزونا ينفعهم في فصول "التحاريق" و"العطش"..
وفي جنوبي أسوان حقق المهندسين والشعب المصري اول معجزة ري هندسية...
أقاموا أول سد بعرض النهر..
وكانوا بهذا العمل الرائد بناة حضارة عظمى - مستندة إلى التجربة والعلم.. وكان جسم هذا السد.. جسما مساميا يتالف من الصخور والرمال والتراب!!..
وعاش "السد الفرعوني" زمنا طويلا..
وبعد آلاف السنين جاء "السوفيت" وقلدوا ذلك السد... لكن وكما فعل المهندسين والعمال الفراعنة فعل احفادهم هم من نفذ وعمل بالفعل...
ليقام "السد العالي الحديث" شمال "السد العالي الفرعوني"!..
وأي إنسان يزور أسوان.. ويذهب إلى مناطق الشلالات ويرى البحيرة الصناعية "بحيرة ناصر" ينبغي له أن يقف خاشعا أمام "عبقرية الإنسان المصري"..
هذا الإنسان إستطاع أن يقيم السد العالي مرتين .. المرة الأولى وهي الأخطر والأصعب... لم يقفوا عند حدود "أسطورة خنوم".. فالعقل العلمي؛ يعتمد أولا وأخيرا على إجراء التجارب وإستقراء النتائج الثابتة..
ترك علماء الفراعنة الأساطير جانبا، وأخذوا يفكرون تفكيرا علميا متحضرا في مسألة "توفير" جانب من مياه الفياضانات وحجزه وإعتباره رصيدا مخزونا ينفعهم في فصول "التحاريق" و"العطش"..
وفي جنوبي أسوان حقق المهندسين والشعب المصري اول معجزة ري هندسية...
أقاموا أول سد بعرض النهر..
وكانوا بهذا العمل الرائد بناة حضارة عظمى - مستندة إلى التجربة والعلم.. وكان جسم هذا السد.. جسما مساميا يتالف من الصخور والرمال والتراب!!..
وعاش "السد الفرعوني" زمنا طويلا..
وبعد آلاف السنين جاء "السوفيت" وقلدوا ذلك السد... لكن وكما فعل المهندسين والعمال الفراعنة فعل احفادهم هم من نفذ وعمل بالفعل...
ليقام "السد العالي الحديث" شمال "السد العالي الفرعوني"!..
وأي إنسان يزور أسوان.. ويذهب إلى مناطق الشلالات ويرى البحيرة الصناعية "بحيرة ناصر" ينبغي له أن يقف خاشعا أمام "عبقرية الإنسان المصري"..
هذا الإنسان إستطاع أن يقيم السد العالي مرتين .. المرة الأولى وهي الأخطر والأصعب
حدثت أيام أجدادنا الفراعنة والمرة الثانية حدثت أثناء حياتنا..
لقد أسقط الإنسان المصري على امتداد آلاف السنين أسطورة السد العالي - لأنه جعل هذا السد حقيقة مرتين كما قلت - وكم أعجب وادهش؛ وكم اعجب وادهش، وكم دهشت وعجبت حين كانت ولازالت وسائل الإعلام تركز الحديث فقط على السد العالي "الحديث" المبني منذ سنوات، والذي استعان بناته بالجرارات والالات والديناميت.. بينما كنا ننسى أن أجدادنا الفراعنة أقاموا سدا عاليا بعرض النهر وبابسط الوسائل، واستخدموا ذكاءهم وايديهم في إقامة ذلك السد القديم..
ولم يستطع التاريخ أن يمحو من قدرات الإنسان المصري هذه الطاقة الخلاقة......
الم ينشئ هذا الإنسان كل الترع والمصارف والسدود القديمة والحديثة؟!.. الم يشقوا قناة السويس في أصعب الظروف وقدموا أكثر من مائة ألف روح في سبيل ذلك..
أليس هذا الانسان هو الذي أنشأ القوات الصاروخ تحت وابل من جحيم الحرب؟!.. أليس هو ذلك الإنسان الذي حطم المانع الذي قال العالم أنه حتى لو قذف بالقنبلة الذرية لن ينهار
كلما شاهدت المهندسين والعمال والبناة والمعمرين في كل مكان ينجزون مشروع جديد قلت لنفسي:
"بورك في هذه الأيدي الجبارة فهي أيدي شعب أصيل عريق.. إستطاع اجداده القدماء أن يسيطروا على واحد من أطول أنهار الدنيا.. واستطاعوا أن يسقطون في كل وقت كافة أنواع الاساطير، ويضعوا بدلا منها قوائم الحقائق الملموسة، والتعمير البعيد المدى، وزادوا الرقعة الخضراء من جديد في الدلتا الجديدة بعد أن كادت أن تضيع تلك الأرض الخصبةفي الدلتا القديمة!..
ولم تزل مصر بلدا شديد الخصوبة والإبداع والتاريخ.. إنها أكثر امتلاء بتجارب سبعة آلاف سنة من الاشتباك في معارك التعمير والبناء والثورة الزراعية والعلم والحضارة وغرس أشجار الزيتون.. والحرب أن اقتضى الأمر ونحن لها!..

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







