«الظلم مؤذن بخراب العمران».. تحذير أطلقه ابن خلدون منذ قرون، واليوم بعد أكثر من 10 أشهر من العدوان الدموي على غزة، نشهد تجسيدًا مروعًا لهذه الحكمة على أرض فلسطين.
منذ أكتوبر الماضي، تحولت غزة إلى ساحة للموت والدمار مع ما يقرب من 40 ألف شهيد، معظمهم من النساء والأطفال والشيوخ. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام، بل هم أحلام مدفونة تحت الأنقاض، وآمال محطمة، وعائلات ممزقة. وبينما تتحمل إسرائيل المسؤولية الأكبر عن هذه المأساة، فإن سياسات حماس وتدخلات إيران قد ساهمت أيضًا في تعميق معاناة الشعب الفلسطيني في غزة.
وسط هذا المشهد المأساوي، يبرز البيان الثلاثي المصري القطري الأمريكي كبصيص أمل. هذا البيان، الذي أكد أن "الوقت قد حان" لوقف إطلاق النار وتحرير الرهائن المتبقين في غزة، يمثل محاولة جادة لوقف نزيف الدم. وقد أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني والرئيس الأمريكي جو بايدن أنهم مستعدون لتقديم "مقترح نهائي للتوفيق" لإبرام صفقة بين إسرائيل وحماس. من المقرر أن تجتمع الأطراف المعنية يوم الخميس في محاولة جديدة لإحياء مفاوضات وقف إطلاق النار. ومع ذلك، فإن الأنباء عن احتمال عدم حضور حماس للاجتماع تلقي بظلال من الشك على فرص نجاح هذه المحادثات.
وسط الجهود الدبلوماسية المكثفة، يبرز موقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتعطشة للدماء كعائق رئيسي أمام السلام. إذ إنه رغم الضغوط الدولية، يبدو نتنياهو غير راغب في إنهاء الصراع، بل يسعى لإطالة أمد الحرب. وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، أضاف نتنياهو شروطًا جديدة عرقلت التوصل لاتفاق. هذا الموقف المتصلب أدى إلى انقسامات داخل الحكومة الإسرائيلية، خاصة مع وزير الدفاع ورئيس الأركان، مما يعكس عمق الأزمة ويصعّب التوصل لحل سريع للصراع.
في خضم هذه الجهود، تبرز تعقيدات إضافية تتمثل في التوترات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، فمنذ اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في طهران في 31 يوليو، تلوح إيران بالانتقام. وقد رفضت إيران دعوة من بريطانيا وفرنسا وألمانيا للامتناع عن أي هجمات انتقامية قد تزيد من تصعيد التوترات الإقليمية.
مصر، التي طالما كانت وستظل الحصن الأمين للقضية الفلسطينية، تواصل جهودها الدبلوماسية لإنهاء هذا الصراع. إذ إنها منذ اندلاع الأزمة، وقفت بكل أجهزتها قلبًا وقالبًا مع معاناة شعب غزة، منادية بوقف العنف ضد المدنيين وإنهاء المعاناة. وفي الوقت نفسه، رفضت مصر رفضًا قاطعًا أي محاولات لتهجير شعب غزة إلى سيناء أو تصفية القضية الفلسطينية. وقد أدانت وزارة الخارجية المصرية بشدة الهجمات الأخيرة على المدنيين في غزة، معتبرة أن "استمرار ارتكاب تلك الجرائم واسعة النطاق... هو دليل قاطع على غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإسرائيلي لإنهاء تلك الحرب الضروس."
الحل يكمن في ضغط دولي حقيقي وفعال لوقف العدوان فورًا. يجب على المجتمع الدولي أن يتجاوز مرحلة الإدانات الخجولة إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية المدنيين الفلسطينيين من "بلطجة" تل أبيب. في النهاية، يجب أن ندرك أن السلام الحقيقي يتجاوز مجرد غياب الحرب؛ إنه يتطلب وجود العدالة. ورغم أهمية الجهود الدبلوماسية الحالية، فإنها قد لا تكون سوى مسكنات مؤقتة للأزمة. فطالما استمر الظلم في غزة وفلسطين ككل، لن يكون هناك سلام دائم. إن الحل النهائي والجذري يكمن في المضي قدمًا بجدية وحزم نحو تنفيذ حل الدولتين، الذي طال انتظاره.
وأقولها بصدق: نعم.. الطريق إلى هذا الهدف قد يكون طويلًا وشاقًا، لكنه يبدأ بخطوات ملموسة، وهي وقف إطلاق النار فورًا، إنهاء الحصار، وبدء مفاوضات جادة وعادلة. هذا المسار وحده هو السبيل لضمان الأمن والاستقرار، متجاوزين الحلول المؤقتة نحو سلام مستدام وعادل.

البيضة والحجر!
د. محمد محسن رمضان يكتب: الجيل الجديد من التجسس الرقمي يهدد الخصوصية الإلكترونية
دينا الصاوي تكتب: تسعون دقيقة من الانتماء





