«الشقاء فوق العادي» قصة قصيرة للكاتب حسن غريب

حسن غريب
حسن غريب


جاءتنى متسللة عبر زجاج النافذة المكسورة .. باردة جداً ومنتفضة ، ترسل إلىَّ بأطرافها فاشيح بوجهى عنها .. تتدلل تحيط بى ، صفعنى صوتها . .  ممن تهرب ؟

ولا أستطيع .. لن تفر .. لن تفر .. تردد الصوت فى جنبات المكان بينما جذبت جسدى إلى زاوية من الحجرة .. أقبلها وهى تزهو بملامحها البشعة، واحتلالها لكل مساحة من الفراغ ، أغرقت الرأس فى هوة مظلمة بين ذراعى .. أطل منها الحلم شاحباً:  تحبنى ؟ ..... هل ستبقى كثيراً هكذا ؟ .. قلها ( تضاحكنا .. وساد صمت لفترة ) .

محوطاً بالجدران المرهقة .. كادت تهزمنى .. قاومتها أفلتت ، نهضت محاولاً الخروج .. منعتنى تجمعت من النافذة ، والشقوق .. مما بين الحائط والباب .. عظامى نفذت إلى أعماقى .. سرت فى شريان الدم .. اندفعت معه إلى حيث الحلم ينسحب .. يجر خلفه مرارة الواقع .

اقرأأ يضا| «انسحاب» قصيدة للشاعر أحمد رياض

سنتقابل غداً .. أليس كذلك ؟ قالتها فى قلق .. وبمثله نطقت :

آه ـــ ما بكَ ؟ ـــ لا شىء ـــ تكذب ـــ لا تشغلى بالك ـــ صارحنى ـــ فقط .............( سئمت ) .

ارتسمت على وجهها خطوط الدهشة اتسعت عيناها : منى ؟ مضغت إبتسامة يأس .. هززت رأسى يميناً ويساراً .فى تودد رجتنى :

 

ـــ ابق قليلاً . أردت أن أفعل .. طاردنى شبح الهزيمة .. انتزعنى منها .. ابتعدت ، نادت : سأنتظرك .. غصت فى بحر الرؤوس والأحجار ، والحديد ، انحدرت على ذات الطريق العفن .. هبط الدرج الهارب من الضوء .. دفعت الباب .. داعبتنى أشعة خافتة .. متكوماً فى ركن الحجرة الرطب .. حين توغل الليل هاجمتنى مرة أخرى .. باردة جداً .. حاولت تثبيت أوراق (الكارتون) التى سقطت .. فى فراغ الزجاج المهشم ـــ لم يمنعها ذلك : ( صبية الحى الملاعين لا يتركون شيئاً فى مكانه ).. ( سأريهم ) .. مرتجفاً سحبت كل الأغطية .. سددت بها كل الثقوب والفتحات: ( لن أدعها تفعل ما تريد هذه المرة ) بقى جزء من النافذة دون غطاء ..

خلعت الجلباب .. قذفته به .. نامت ناوشتها .. نفثت زفيراً ساخناً فى قبضة يدى المضمومتين على فمى .. اغتاظت .. ضحكت .. احتدت ثورتها انفجرت ضاحكاً، ومع الدفء الذى بدأ يملؤنى أحسستها ترحل .. من ثقب الباب . فوق السرير .. هادئاً قبلت الصورة التى تركتها حبيبتى حين تقابلنا منذ سنوات مضت .. ودعتها فى نشوة المنتصر أطحت بها بعيداً .. وكدت أن أبكى.