«رائحة العيد..» قصة قصيرة للكاتب عمرو صلاح الغندقلي

الكاتب عمرو صلاح الغندقلي
الكاتب عمرو صلاح الغندقلي


في صباح يوم جديد، أطلت فيه الشمس بزاوية، طالت النصف الأعلى من البيت إلا قليل، بدأ اليوم بصياح الديك القاطن سطح أم حنان الجارة، استيقظ صابر واتجه نحو المرحاض، ثم بدل ملابسه وذهب يدخن سيجارة وهو يطل من شرفته على شرفة سعاد جارته المحبوبة وحب عمره الذي بات مستحيل.

يعمل صابر نجار موبيليا في ورشة الأسطى ربيع بشارع عبيد بساحل روض الفرج، تعلم حتى الإعدادية وأنهى تعليمه ليعمل نجار بالورشة كي يستطيع أن يصرف على أبيه العاجز وأمه المريضة بداء السكري.

 

مرت سنوات على حبه لسعاد بنت عم عبده السمكري ، منذ الطفولة وهو يحمل بداخله أمل الزواج بها ، في كل مرة يلتقيها على كورنيش النيل كان يتحين الفرصة ويمسك بيدها ويعبر عن مكنون حبه وشوقه الذي أرهق قلبه وعقله ، كان لا يكف عن النظر إلى عينها العسلية وابتسامتها التي لا تفارق وجهها طالما بقى معًا، كانت تبتسم فترسل له بعض المسكنات للألم القاطن في سويداء قلبه، كان يتحسر كلما اصطدم بواقع مرير يحول بينه وبين زواج من يحبه، كان يعلم أن شغله الشاغل هو أن يوفر لأبيه وأمه الطعام والعلاج، وهو يعلم أن ما بقى من نقود  يكفي شراء علبة سجائر بالكاد، ظل شارد وهو ينظر إليها حتى ذرفت من عينيه دمعات عبرت عن معاناة سكنت جنبات حياته، لاحظت سعاد تلك الدمعات فاكفهر وجها وانطفئت ابتسامتها، وأخذت تمسح بيدها دمعاته برفق وقامت باحتضانه دون اعتناء بمن كان يمشى حولها من الناس في الشارع وهى تحدثه: مالك يا صابر ؟ فيك أيه؟

يبتعد عنها برفق وهو يحاول أن يتلاشى النظر إلى عينها ويقول: مفيش.

تصر سعاد على معرفة ما به وما الذي ألمه حتى بكى.

مازال يصر على أن لا يخبرها ولكنه استسلم لإصرارها وأخبارها بظروفه وكم يعاني من الظروف القاسية التي حالت بينه وبين خطبتها حتى الآن. وقد كبرت وكبر والعمر يمر وهو يعلم أنها صبرت كثيراً، وأنها قد بذلت كل الحجج في رفض من تقدم لخطبتها وأصبح ليس لديها شيء تتحج به، وقد علم من أمه أن هناك إصرار من أبيها على خطبتها في رابع يوم العيد الذي أوشك على الإتيان وأنه لم يبقى على العيد الكبير سوا خمسة أيام.

عرفت سعاد ما سر تلك الدمعات، فربتت على كتفيه وأخبرته الا ييأس، وأن هناك حل بإذن الله .

هنا أدرك أنه ليس بيده شيء، وليس عليه سوا مزيد من الصبر ثم عاد إلى عمله وعادت سعاد إلى البيت.

أصبحت تكبيرات العيد تصدح عبر مذياع أو تلفاز في الشوارع وقد بقي على العيد يومان وتلك الرائحة المنتشرة بشارع جسر البحر شاهدة على ذلك، هناك عدة روائح للخراف والماعز والبقر وروث البهائم يحيط بالأمكنة ويسكن أنوف المارة.

انتهى صابر من عمله ورجع إلى بيته وصعد إلى الشقة الصغيرة في ذلك البيت المكون نصفه السفلى من الطوب والنصف العلوي الذي يسكن فيه من الخشب.

ألقى السلام على أبيه وأمه وقبلهما، ثم مكث يتناول الغداء معهم واكل عدس وبصل وجرجير ثم أخذ كوب الشاي واتجه يدخن سيجارة وهو يطل من الشرفة ينتظر بفارغ الصبر أن يرى سعاد تطل من الشرفة ولم تشرق شمسها بعد وقت طويل.

مازلت أصوات الخراف والماعز تنتشر تحت بيته والروائح الدالة تملئ أنفه وتخطلت بدخان سجارته وتجعله يتيه في مزيد من الضباب واليأس حتى انتهى من سيجارته والشاي عاد إلى الأريكة، حيث يجلس أبيه يحدثه عن أحوال الناس وتحدث معه أباه عن تلك الأيام الماضية التي كانت تحمل في طياتها معنى البساطة، وحثه على المزيد من الصبر وأن الإنسان في تلك الدنيا عابر سبيل لن يمكث بها كثيرا وأن في الصبر النجاة .

مرت أيام حتى جاء اليوم الرابع من عيد الناس وهو يترقب بخوف أن يحدث ما يخشاه وقد حدث، صارت زغاريد تصدح في الحارة وتعالت أصوات فرح قادمة من شرفة سعاد، كانت بمثابة خناجر تطعن في قلبه وتشق صدره فخر باكياً على الأرض وأطلق عدت صراخات تاهت بين الزغاريد والأغاني الآتية من شرفة سعاد، انتهى حلمه إلى الأبد، وانتهت سعاد من حياته وسعادته المنشودة. وأخذت وتيرة الأغاني تعلوا كلما تعالت صرخاته وسط إحساس أن العالم يسخر منه وأن لا قيمة لحبه ومشاعره، حتى دخلت أمه عليه وهو غارق في بكائه ترفعه إلى السرير وتدعوا على سعاد وأم سعاد التي كانت السبب في ما وصل إليه ابنها الوحيد وقد أحست بأن ابنها سوف يضيع منها فقامت باحتضانه وهى تردد: منهم لله يابنى منهم لله، متزعلش ربنا يعوض عليك بأحسن منها، قوم يا بنى قوم يا بنى بلاش تعمل في نفسك كده.

يتحسر صابر على ذلك الحب المهدور دمه ويرى بعينه كأنه شاة تم ذبحها وسال دمها أمامه.

 تحسر على تلك السنوات التي مرت على حبها وقد ذهبت هباء، وقد استمر على هذه الحالة يفكر في الأسباب التي أدت به إلى هذا الحال عدة سنوات حتى ترك لحيته وأخذ عزاء أبيه وامه وهو شارد لا يدرك كثيرا مما يدور حوله، وأصبح كلما اشتم رائحة الخراف تذكر أن عيد الناس قد جاء وذهب عيده إلى غير رجعة.