«أقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم الواصل بينهما»، حقيقة هندسية قديمة تصلح للتطبيق فى مختلف مجالات الحياة، فلا أسهل من الوضوح والصدق من أجل الوصول إلى عقول الآخرين.
وفى عالم السياسة والعمل العام قد تكون المصارحة والشفافية الكاملة عملة نادرة وفضيلة غائبة فى كثير من الأحيان، لكن الحقيقة تقتضى أن نعترف بأن الدولة المصرية ومنذ 2014 أرست مبدأ مهما وهو المكاشفة والوضوح فى التعامل مع الرأى العام بصورة تدعو إلى التقدير.
وأعتقد أن الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجلس الوزراء يستحق الإشادة على النهج الذى يسعى إلى ترسيخه مع بداية عمل حكومته الجديدة، وهو التواصل المستمر والمنتظم مع وسائل الإعلام وقطاعات الرأى العام، تنفيذا للتوجيه الذى أولاه الرئيس عبد الفتاح السيسى أولوية خاصة فى خطاب تكليفه للحكومة، وأكد عليه خلال اجتماعه الأول بالوزراء والمحافظين الجدد.
لقاء رئيس مجلس الوزراء مع عدد من رؤساء التحرير والإعلاميين، والذين تشرفت بوجودى بينهم، مساء أمس الأول بمدينة العلمين الجديدة، كان نموذجا غير مسبوق فى المكاشفة والصراحة، من جانب رئيس الحكومة الذى يعمل فى فترة صعبة ويواجه تحديات كبيرة، وتعبيرا صادقا عن الرغبة الجادة فى توضيح جميع الحقائق للرأى العام وبمنتهى الشفافية ودون خطوط حمراء.
اللقاء الذى امتد لنحو 180 دقيقة كاملة وبُث على الهواء مباشرة، كان أكبر من مجرد مؤتمر صحفى، فقد طُرحت خلاله آراء وأفكار وتصورات، بل وحتى انتقادات، لكن الدكتور مدبولى تلقى كل ذلك بصدر رحب، وأجاب عن مختلف الأسئلة باستفاضة ووضوح كاملين، واستطاع أن يقدم رؤية شفافة للكثير من القرارات التى تزعج الرأى العام، ومن بينها تحريك أسعار بعض السلع الأساسية مثل الوقود، ووضع تلك القرارات ضمن سياق ضرورى للفهم سعيا لتحقيق التفهم من جانب الرأى العام.
والحقيقة التى لا ينكرها أحد أننا بالفعل نعيش فترة بالغة الصعوبة فى محيطنا الإقليمى والدولى، تلقى بظلال قاتمة وتداعيات قاسية على اقتصاديات دول المنطقة، وفى القلب منها مصر، وربما هذا ما دفع رئيس مجلس الوزراء إلى الحديث عن البعد السياسى الإقليمى والدولي، وهو الرجل الذى اشتهر بحديثه الاقتصادى والفنى المتخصص، فلم تعد هناك مسافة فاصلة بين ما هو خارجى وما هو داخلى، فما يجرى فى المدخل الجنوبى للبحر الأحمر، نتحمل نحن فى أقصى شماله تداعياته الثقيلة وتكلفته الباهظة.
وما أشار إليه الدكتور مدبولى بشأن تراجع عائدات قناة السويس جراء التوتر الإقليمى الراهن بما يزيد على 500 مليون دولار شهريا، أمر يدعو إلى التدبر من جانب الرأى العام، الذى يظن البعض فيه أن ما يجرى من حولنا تتوقف تأثيراته عند الحدود، دون أن تمتد تلك التأثيرات السلبية إلى رغيف العيش والقوت اليومى للأسرة المصرية.
تذكرت على الفور حديث رئيس مجلس الوزراء عن التأثيرات السلبية للتوتر الراهن فى منطقتنا، وكيف أن أعتى المؤسسات المتخصصة لا تستطيع التنبؤ بما ستتطور إليه الأمور، وأنا أتابع فى طريق العودة من العلمين الجديدة تداعيات عملية الاغتيال التى أقدمت عليها قوات الاحتلال الإسرائيلى لأحد قيادات «حزب الله» اللبنانى، واستعدته مجددا ونحن نفيق فى ساعات الصباح الأولى على أنباء اغتيال رئيس المكتب السياسى لحركة «حماس» إسماعيل هنية خلال زيارته لطهران، وهما تطوران ربما يدفعان المنطقة إلى سيناريوهات كلها أسوأ من بعضها!
هل من حق المواطن أن يشعر بالضيق جراء زيادة أسعار بعض السلع الأساسية؟ الإجابة بكل تأكيد نعم، ولكن من حقه، بل ومن واجبه أيضا، أن يعرف الملابسات المحيطة بهذا القرار، فكما قلت الفهم يقود إلى التفهم، والمنطقة برمتها لا تعيش أجواء طبيعية أو مستقرة حتى نتوقع أن تسير أمورنا الداخلية وفق مسار طبيعى، وهنا أتوقف أمام رقمين أشارت إليهما التقارير الإحصائية الرسمية التى ترصد تطور معدلات التضخم، ففى عام 2020 كان ذلك المعدل الذى يقيس ارتفاع أسعار السلع الأساسية متوقفا عند 5 فى المائة فقط، بينما قفز نفس المعدل إلى 33.9 فى المائة عام 2023، جراء تطورات عاصفة يشهدها العالم والإقليم، بداية من جائحة فيروس كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وصولا إلى العدوان الإسرائيلى المتواصل على غزة وتداعياته المفتوحة على كل الاحتمالات، دون أن يكون لنا ذنب أو دخل فى كل تلك الأزمات، لكننا نواجه - شئنا أم أبينا - نتائجها السلبية.
أهم ما أكده رئيس مجلس الوزراء - بين أمور مهمة عديدة- أنه لا يبحث عن شماعات لتبرير الأزمات التى نواجهها، فواجبه أن يعمل من أجل تخفيف وطأة تلك الأزمات على المواطن، وهذا أمر علينا أن ندعمه ونسانده فيه، وأول ما يمكن أن نقدمه من مساندة هو أن نعى حقيقة ما يجرى فى بلادنا ومن حولها، فلا نستسلم لحملات «تسويد» حياة الناس التى باتت تنهش كل يوم عقولنا عبر منصات التواصل الاجتماعى، وتلك الحملات «المصطنعة» فى معظم الأحيان تستهدف بصورة ممنهجة تهويل المشكلات وتهوين الإنجازات.
تستحق الحكومة التحية على نهج المصارحة والمكاشفة الذى نأمل أن يدوم ويتعزز.. ويستحق المواطن أداء يلبى طموحه ويخفف عن كاهله الأعباء، وينبغى علينا جميعا أن ندرك أننا فى مركب واحد يخوض فى محيط مضطرب، وطريق النجاة لمن يتمسكون بالأمل ويتماسكون لتحويله إلى واقع.

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







