بالشمع الأحمر

الحنين الكاذب!

إيهاب الحضرى
إيهاب الحضرى


.. ومن علامات قيام الساعة فى العالم الإلكتروني، أن تُصاب التطبيقات بنوبات شللٍ مُتتابعة، فتتصلّب شرايين «فيس بوك» أحياناً، وتضرب السكتة «واتس آب» حيناً آخر، حتى يعانى البشر من وجع العزلة، ثم تعود الاتصالات لمجاريها، ويشعر مدمنو الإنترنت بالراحة، دون أن يتوقعوا أنه هدوء يسبق عاصفة أكبر، تضرب أنظمة الملاحة بالموانئ والمطارات، ووكالات الأنباء والفضائيات، ويتجاوز التدهور حدود التواصل، ويشعر الملايين بالعجز بعد توقف الأجهزة الحيوية للفضاء البديل عن العمل.
نفيق من تأثيرات النكسة، وتعلو أصواتٌ تؤكد أن التجربة مُلهمة، ويحلم أصحابها بالعودة إلى الماضى الجميل، حينما كان التواصل مقصوراً على تبادل الكلمات وجهاً لوجه، أو إرسال خطاباتٍ لمن يعيشون فى أماكن بعيدة.. لكن هل هم مُخلصون لأحلامهم؟ لو صدقتْ نوايا هؤلاء لبدأوا بأنفسهم، لكنّهم فى كل مرة يُهرولون إلى منصات التواصل، ويُطلقون أمنياتهم الكاذبة، ويتناسون أن الرجوع إلى الماضى لم يعُد فضيلة، بعدما جرّبنا مذاق الحاضر، وأدمنّا «فضلات» ابتكاراته!
هنا يطرح السؤال نفسه: هل يُمكن أن يعيش العالم بدون إنترنت؟، استفسارٌ سنتبارى كالعادة فى الجدل حوله، وننسى وسط تنظيراتنا أننا نستشعر الغُربة، إذا فقدْنا القدرة على الاتصال للحظات، فعبْر الشبكة العنقودية نمارس طقوس حياتنا بحُلوها ومرّها، بجدّها وتفاهاتها، كما أنها صارت ملاذاً مُريحاً لقضاء حوائجنا، فى البيع والشراء وحجز تذاكر الطيران والقطارات والتعامل مع البنوك.
الغريب أن التطور وفّر للبشرية الكثير من الوقت المستقطع فى «مشاوير» مُزعجة، وبدلاً من استثمار الأوقات المتوفّرة فى دعم العلاقات الاجتماعية، زادتْ نزعاتنا الفردية بفعْل منصات تلتهم من أعمارنا أضعاف ما وفّرناه من أزمنة، لذلك أستبعد صِدْق دعوات العودة لزمن التواصل الشفاهى الجميل، فنحن قومٌ نكتب قصائد حنينٍ لـ «لمبة الجاز»، وننوح كلّما انقطعت الكهرباء!