«دونما هوادة!!».. قصة قصيرة للكاتب أحمد بيضون

أحمد بيضون
أحمد بيضون


الكلُّ واقفٌ يتراصّ في الساحة، ينتظرُ دوره في الإعفاء؛ أنظرُ إليهم بغبطة وتشيح مني غُصّة ومرارة مثخنة بهُراء عبير الحرية.. أيَّما حرية!.. كلُّ يومٍ يتواتر وأنا أتركه خلفي في زنزانة بين أربعة أركان مهترئة؛ يخاطبني لمَّا آعاود غرفتي المظلمة التي أعددتها مملكتي ونصَّبتُ نفسي فيها ملكاً للسواد الأعظم، لا شيء ينبض بالحياة هناك أو يغريني كصبية إغراء سوى خيالات غطاءٍ أعلِّقه على قضبان النافذة التي يتقزَّمُ حجمها يومياً ولا أجد بصيصاً لشعاع شمس خجولة تنتحب وتصارع الولوج خلالها.. لمَّا يحدث تعامد لشمس بؤونة في ذاك الوقت من السنة.. تتمغزل خيوط سنا لترسمها أمامي وهي ترقص في تلك الحانة وأنا أسترسل في المجون وأعاقر الخمر وسط الزبائن الذين يرفلون لمخدعها ولا يجرؤ أحدهم أن يمسّ خصلةً منها - فَهي لي!

لا أكاد اتذكر إلا رقصتها الأخيرة وأنا مُخدّر الوعي وأمسك بَلطة أو آلة حدباء على ما يبدو لأول وهلة - تقافزت أوداجي لما رأيت ذاك الثمل الثري يقترب من خصرها ويتأبطها ويمسّد يده على شفتيها لتبادله قبلات.. لكنّها تفتَكُّ من رِبقته وتتنصّل منه وتلوذ بي مناجية إياي؛ نعم عرست ما بيدي في جسد لا يبدو لي ذكوري بل ناعم بضّ زاكي، فانفجرت نافورة دماء، لقد أخطأت هدفي وقتلتها.. ويْحي!!

اقرأ أيضا| شاهد| أحمد صلاح حسني: "مفيش راجل مبيحبش الست التقيلة"

 

مازلتُ لا أصدق أفاعيلي؛ مُذاك اليوم تلاشَت أخبارها وتلاشي وجودي في الحياة، حتى الحضور من الآثمين فروا بجلودهم حتى لا تقصلهم العدالة الناجزة ويجهز عليها رجال المخفر، لا أذكرُ مجداً حققته في حياتي حتى أضيعه سوى شهادتي الجامعية المعلقة في منتصف بهو منزلي مزدانة بالألوان الزاهية وشباك عنكبوت تعتريها وأعجاز خيال اعتراه المشيب يحدق جاحظيه تجاهها كتحفة لا تُقلد؛ الآن عليّ أن أغيب عن الأنظار حتى شبحهها الذي يطاردني، الرفاق ممن يرتادون تلك الأمكنة غادروا الأرجاء وأنا مازلت أرجئ مهربي وأبحث أنايَ عن مكمن؛ لكنَّ ذاك الذي يسكنني ويلازمني لم تنطلي حيلتي عليه كي أصحبه في سفرَة بلا أوبة هرباً من القصاص أو وديان الانتقام من أقاربها الضليعين في الإجرام بسوابقهم، تعملق وأنا أضبُّ أغراضي وأخفي ثيابي الملطخة بدماها وهو يحاورني: (أين المفرّ..إلي متى ستظلّ ضعيفاً لا تواجه المصير.. اعترف بالجريمة فسيكون هناك تخفيف.. لقد تعوَّدت يا توأمي على أن تكون حبيساً.. ربما ستجد الخلاص وتبوء بذنبك وتطهر ضميرك فلا تشيِّعه).

حدجني الذنب وانصعت لأوامره وأومأت برأسي ثمَّ تركني ولازم الشهادة - أعتقدُ بأنه يتلبَّسها منذ يوم التخرج حينذا تعالى التصفيق الحارّ والجميع يقول: (لقد فعلتها.. مرحى!)،  عن أي سعادة يتحدثون وقد علقتها كما علقت كل آمالي قيد المجهول، وكان الضياع حليفي، تلك العلامة الفارقة في حياتي مازلتُ أعيش على أطلالها المهلهلة حتى ثلمت أظفاري تنفض الغبار عن تلك الورقة عديمة الجدوى في هذا العالم، ذاك الخيال المتبختر المزدهي كبرياء وغلوّ هو منقذي من محاولات الانتحار العديدة التي حاولتها؛ في كل مرة تتعاظم هيئته ويباغتني بصفعة لأستفق من غافيتي، هاهوَ ذا الآن يسلِّمني لدائرة القدر بلا مناص.

إبّان إدلاء شهادتي.. الجميع شكَّك في قواي العقلية فأيُّ ساذج يسلّم نفسه بقضية اغتيال مع سبق الإصرار والترصُّد؛ لكني أطنبتُ دفاتر سجلاتهم بالشواهد التي قد تودي بي في مغبَّة السجن المؤبد مع الأشغال الشاقة، ولجتُ ذلك الصرحُ المُكتظّ بصنوف المجرمين ، أعتقد بأن الحارس أضعف من أن يتوسط شجاراً بين ضياغم وعتاولة وفتوات بذاك البيمارستان الهائل المضمخ بأعتى الأشرار بالبلاد.. لاسيَّما وأنا أصبحت جزءاً أصيلا منهم، أعتقدُ بأن ذاك الذي يدردش معي بكل ليلة أمام أقراني المحبس كان مُنتشياً وأنا أعنفه ليتوقف عن الضجيج ويغطّ في نومٍ عميق، لكنه لا يتوقف حتى بأني دخلت في عراك شديد مع غضنفر من المغاور هناك لشكّه في سلوكي وأني أهلوس وأصابني مسٌ من الجنون.. فما كان مني إلا أن ألكزه بلكمة كعكعت أسنانه وأغارت عينه.. تم الإبلاغ عني لألقَ سجناً انفرادياً لخطورتي؛هكذا - كانت رغبته الجامحة ليظهر أمام مرأى أمّ عيناي ويوسوسني قائلاً: (هل تعلم بأنك أفضل منهم.. كيف تجعلهم يجبرونك على النوع والخضوع لأوامره.. لابدّ أن تثبتَ لهم العكس؟!!).

قررتُ بعدها أن أعترض على الطعام وصنوف الأعمال المجبور عليها، وازداد حنقي وشططي وضربت الحارس وأمسكت بتلك العصا الحديدية وصرعت العديد والعديد وتهاووا أرضاً؛ أعتقد بأنهم تآلبوا عليّ وأتذكّر تلك الصواعق الكهربية التي زادت من فرص تواجده طيلة مكوثي.. لم يعد خبيئاً بعد اليوم!

جاءتني مع بزوغ تنور تموز كما كنت أعدُّ الأيام على الجدار المتاخم لسريري؛ تُعاتبني عن فعلتي الشنيعة بحقها وهي تعلم بأني مستحيل أن أقصد؛ كان من المفترض أن أخلصها من ذاك العربيد الذي عاث سُكراً وأراد منها وطراً كما استشعرت - ليس باستخدام أداة لقتل!.. استمرت في رقصتها على الملاءة بعبق طيفها؛ الآخر يجلس بجواري بلا قلب أو عقلٍ.. مُجرد أخيلة ظلٍّ ينكمش ويتمدد؛ همس إليّ بدون أن يلمح خيالها-هي أيضاً- ما يقوله لي بعدما استنامَ إليّ: (لقد أصبحت من بني جنسي.. أستطيع الزواجَ منها.. مُت بغيظك) ؛ حاولت الإمساك بعنقه لأخنقه على حين غِرة - لكنِّ أشعرُ الآن بأنه رحلَ معها وتركني مسجياً على سريري فاغراً فمي ببصرٍ شاخص ووتين ذهب ماء عروقه!