مرت الحرب العالمية الثانية في الصحراء الغربية بثلاث معارك كبرى، المعركة الأولى أكتسح فيها الفيلد مارشل «أرفن روميل» الملقب بثعلب الصحراء القوات البريطانية التى هاجمها بعد دخوله لمصر من ليبيا وتقهقرت أمامه واحتل مرسى مطروح، وفى المعركة الثانية استدرجته القوات البريطانية حتى منطقة العلمين ودارت معارك طاحنة، ولم يكن لدى «روميل» ما يكفى من الإمدادات والتموين التى كانت ترسل له متأخرة مما أدى لتدهور قواته، فانسحب من المعركة بعد أن خسر أغلب دباباته تقريبا، عاد لليبيا مرة أخرى وأمره «هتلر» بالعودة إلى ألمانيا بعد أن وصلته معلومات مخابراتية تؤكد أنه لم يكن راضيا عن قراراته، وأنه كان يخطط لانقلاب ضد هتلر الذى خيره بين أن ينتحر بسم السيانيد أو يقدم لمحكمة عسكرية بتهمة الخيانة، وفضل روميل الانتحار فى 14 أكتوبر 1944 وتم دفنه فى مقبرة «هيرلينجن» بألمانيا بمراسم عسكرية كاملة مع الاحتفاظ بجميع رتبه وأوسمته ضمن أعلى المراتب من الشرف العسكرى، ولم يكشف عن سبب وفاته إلا بعد هزيمة ألمانيا ووفاة هتلر!
كانت زوجته «لوسيا ماريا مولين» تعلم هى وابنها «مانفرد» قصة إجبار زوجها على الانتحار وتعرف مكان مقبرته
فى ألمانيا ومع ذلك جاءت لمصر فى نهاية شهر أبريل من عام 1954 بعد انتهاء الحرب العالمية بتسع سنوات لتحقق وعداً كان وعدها به «روميل» فى الرسائل التى كان يرسلها لها من منطقة العلمين ولم يستطع تحقيقه لها بعد هزيمته على يد القائد البريطانى «مونتجمرى» وقد رافقتها مجلة «آخر ساعة» فى كل تحركاتها.
قالت أرملة «ثعلب الصحراء» إنه كان يحبها وكانت بالنسبة له كل شيء، ولم يتخلف عن كتابة الخطابات لها مهما كانت ضراوة المعارك التى يخوضها، وكان يبدأها بكلمتى «عزيزتى لو» ويختتمها بكلمة «المخلص» بعد أن يشرح لها كل شيء ويوضح خططه لكل معركة، وقالت إنه كان فى قمة السعادة فى الخطاب الذى أخبرها فيه بأن «هتلر» أنعم عليه برتبة «فيلد مارشال» فأصبح أصغر من حمل هذه الرتبة فى الجيش الألمانى، وقال لها فى خطاباته إنه بث فى نفوس قادة الجيش الإنجليزى والأسترالى والهندى كل معانى الفزع والرعب لدرجة أن الجنرال البريطاني «فوكتلك» أمر ضباطه وجنوده بعدم ذكر اسم روميل على الإطلاق بعد أن شاهد فى عيونهم الإعجاب بشخصيته وما يسمعونه عنه من قوة خارقة.
◄ اقرأ أيضًا | «سبوتنك»: القوات الروسية تدمر مستودعًا عسكريًا سريًا في أوديسا
وقالت أرملة روميل إنها حضرت لمصر لاسترجاع شريط طويل من الذكريات التى كتبها روميل فى خطاباته لها عن النيل الذى سوف يعبره بقواته بعد أن يدحر الإنجليز بالكامل، ووعدها بأن تقضى ليلة معه عند اكتمال القمر بجوار الأهرامات، وسوف يريها شوارع القاهرة ويجعلها تتعرف على المصريين الذين كانوا يهتفون «إلى الأمام يا روميل» عندما علموا بوصول قواته لمرسى مطروح ليخلصهم من الاحتلال البريطانى، وشرح لها فى آخر خطاباته المشكلة التى تواجهه بشأن عبور النيل ليدخل القاهرة بعد أن علم أن الانجليز اعتزموا فى حال وصوله للإسكندرية أن يقوموا بنسف جميع الكبارى والقناطر التى على النيل، وقالت إنها جاءت لترى النيل وتشرب منه وتسير على شاطئيه لاستعادة السطور التى كتبها لها، جاءت لتحقق الوعد الذى انتظرت تحقيقه من خلال رسائله، لذا سألت عن يوم اكتمال القمر وتم اصطحابها لمنطقة الأهرامات وأبو الهول وجلست هناك وحيدة فى ضوء القمر حتى الفجر.
ورافقتها «آخر ساعة» لمنطقة العلمين وقد هبطت من سيارتها ثلاث مرات لتتفحص بمنظارها المكبر الآفاق البعيدة المليئة بحطام الحرب والتى دارت فيها رحى المعارك بين زوجها وجيوش الحلفاء، وقالت مدام روميل لـ «آخر ساعة»: «كانت أمنيتى الوحيدة فى الحياة زيارة العلمين وهآنذا أزورها بعد أن انطويت على نفسى بعيدا عن العالم بعد مقتل زوجى، وهآنذا فى العلمين فوق الأرض التى كان يصفها لى فى رسائله»، وراحت تحملق فى الأرض القاسية الوعرة، وأمدت بصرها إلى الآفاق البعيدة المليئة بالحطام، وارتسم على وجهها انفعالات حزينة كانت هى وحدها التى تستطيع التعبير عنه.
ووقفت أمام النصب التذكارى لضحايا الحرب متماسكة فى أول الأمر، ثم وضعت رأسها بين كفيها وأجهشت بالبكاء،
وساد صمت حزين فى المكان، بينما وقف ظباط القوات المسلحة المصريون حول النصب وقد رفعوا أيديهم بالتحية العسكرية، وعندما أنزلوا أيديهم من فوق جباههم همست مدام روميل لمن حولها «أريد أن أنفرد بنفسى»، وانحرفت نحو مكان جانبى وأمسك بيدها الضابط الإيطالى «الكونت كالشيا» الذى حارب إلى جنب زوجها فى العلمين، وهو يقول «سيدتى.. لا أستطيع التعبير لك عن مشاعرى وأنا أراك هنا فى العلمين».
وأخذت مدام روميل تتجول بين مقابر جنود ألمانيا، ووجهها يتحدث بحالة نفسية سيئة وكانت عيونها لاتزال تدمع من أجل أربعة آلاف جندى ضحوا من أجل ألمانيا، وقد أخفت دموعها بمنديل وهى تحملق فى الصلبان المتراصة التى يحف بها الصمت، وقالت سكرتيرتها «مس كلير» للصحفيين: «الموقف صعب لأنها تعتبر كل الذين ضحوا من أجل ألمانيا أبناءها وفلذات أكبادها»، وقدمت لها سلة من زهور «الأوركيد» التى كان يحبها روميل قامت بوضعها على النصب التذكارى الذى يتوسط المقابر وظلت صامتة كما لو كانت فى وصلة صلاة.
ثم ذهبت مدام روميل لزيارة المتحف الحربى الصغير الملحق بالمقبرة وشاهدت داخله ما عثر عليه فى جيوب الجنود وشاراتهم، والأسلحة التى حاربوا بها وخريطة لمنطقة العلمين معلقة على الحائط رسمها روميل بنفسه، وبحركة لاشعورية مدت شفتيها نحو الخريطة وطبعت فوقها قبلة طويلة، ثم قالت لمن حولها «أشد ما يؤلمنى أن بطل حرب الصحراء لم يمت شهيدا فى الحرب، ولم يدفن فى البقاع التى اجتازها محاربا ومنتصرا، وددت لو أنه مات ودفن هنا بدلا من إجباره على الانتحار»! وأضافت بانفعال عن ذكرى آخر يوم لها مع روميل: «لا أنسى الأغنية التى كان يفضلها وتقول كلماتها «فى قاع الرين.. فى الأعماق يرقد تاج مرصع بالماس والجواهر والأحجار، من يحصل عليه يمتلك القوة والجاه ويصبح على كل لسان»، وأضافت «كان يحب أن يسمع منى الذهب والفضة.. هما الحب حتى لو كانت الفضة من نور القمر والذهب من نور النجوم.. ويظل الحب حتى يصير شعرنا فى لون الفضة».
وكانت وهى تتلو هذه الكلمات تداعب بيدها سوارا من الفضة عليه نقوش شرقية وفصوص من الزمرد وأشارت لهذا السوار قائلة «كان هدية من زوجى أرسله لى بمناسبة عيد ميلادى، ومعه سطور يقول فيها «تلك الهدية من مصر».
«آخر ساعة» مايو 1954

22 يومًا تحت الأرض.. المشير الجمسي «مهندس» حرب أكتوبر
92عامًا من صناعة الوعي .. ذكرى تأسيس الإذاعة المصرية أكبر خزائن الزمن الجميل
أبو ضحكة جنان.. مأساة «أيقونة الكوميديا» إسماعيل ياسين








