خواطر الشعراوى| مسئوليات الحياة الزوجية

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 228 حول قوله تعالى: «وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِى ذَلِكَ إِنْ أرادوا إِصْلاَحًا» هذا إن أرادوا إصلاحًا. والإرادة عمل غيبي، فكأنها تهديد للزوجين، إن التشريع يجيز لهما العودة، لكن إذا كان الزوج يريد أن يردها ليوقع بها الضرر لسبب فى نفسه فالدين يقول له: لا، ليس لك ذلك. وإن كان القضاء يجيز له ردها، إلا أن الله يحرم عليه ذلك الظلم.

إن من حق الزوج أن يرد زوجته ردًا شرعيًا للعفة من الإحصان ولغرض الزوجية لا لشيء آخر، أما غير ذلك كالإضرار بها والانتقام منها فلا يجيز له الدين ذلك. أما قضائيًا فالقضاء يعطيه الحق فى ردها ولا يستطيع أحد أن يقف أمامه مهما كانت الأسباب الكامنة فى نفسه، لكن عليه أن يتحمل وزر ذلك العمل.

ويتابع الحق: «وَلَهُنَّ مِثْلُ الذى عَلَيْهِنَّ بالمعروف» أى أن للزوجة مثل ما للزوج، لكن ما الذى لهن وما الذى عليهن؟ المثلية هنا فى الجنس، فكل منهما له حق على الآخر حسب طبيعته، الزوج يقدم للزوجة بعضًا من خدمات، والزوجة تقدم له خدمات مقابلة؛ لأن الحياة الزوجية مبنية على توزيع المسئوليات، إن الرجل عليه مسئوليات تقتضيها طبيعته كرجل، والمرأة عليها مسئوليات تحتمها طبيعتها كأنثى. والرجل مطالب بالكدح والسعى من أجل الإنفاق. والمرأة مطالبة بأن توفر للرجل البيت المناسب ليسكن إليها عندما يعود من مهمته فى الحياة.

ولذلك يقول الله عز وجل: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» «الروم: 21».

والسكن إلى شيء هو نقيض التحرك، ومعنى «لتسكنوا إِلَيْهَا» أى إنكم تتحركون من أجل الرزق طوال النهار ثم تعودون للراحة عند زوجاتكم، فالرجل عليه الحركة، والمرأة عليها أن تهيئ له حسن الإقامة، وجمال العشرة وحنان وعطف المعاملة.

اقرأ أيضا| خواطر الشعراوى |شهادة المرأة لنفسها

فالمسئوليات موزعة توزيعًا عادلا، فهناك حق لك هو واجب على غيرك، وهناك حق لغيرك وهو واجب عليك. ويقول الحق: «وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ» وهى درجة الولاية والقوامة. ودرجة الولاية تعطينا مفهوما أعم وأشمل، فكل اجتماع لابد له من قَيِّم، والقوامة مسئولية وليست تسلطًا، والذى يأخذ القوامة فرصة للتسلط والتحكم فهو يخرج بها عن غرضها؛ فالأصل فى القوامة أنها مسئولية لتنظيم الحركة فى الحياة.

ولا غضاضة على الرجل أن يأتمر بأمر المرأة فيما يتعلق برسالتها كامرأة وفى مجالات خدمتها، أى فى الشئون النسائية، فكما أن للرجل مجاله، فللمرأة مجالها أيضًا. والدرجة التى من أجلها رُفع الرجل هى أنه قوام أعلى فى الحركة الدنيوية، وهذه القوامة تقتضى أن ينفق الرجل على المرأة تطبيقًا لقوله الحق: «وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ» «النساء: 34».

إذن فالإنفاق واجب الرجل ومسئوليته، وليعلم أن الله عزيز لا يحب أن يستذل رجل امرأة هى مخلوق لله، والله حكيم قادر على أن يقتص للمرأة لو فهم الرجل أن درجته فوق المرأة هى للاستبداد، أو فهمت المرأة أن وجودها مع الرجل هى منة منها عليه، فلا استذلال فى الزواج؛ لأن الزواج أساسه المودة والمعرفة. ويقول الحق بعد ذلك: «الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ...»..

تفسير الآية رقم «229»: «الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» «229» «هنا يتحدث الحق سبحانه وتعالى عن الطلاق بعد أن تحدث عن المطلقة فى عدتها وكيفية ردها ومراجعتها، وإنه سبحانه يتحدث عن الطلاق فى حد ذاته. والطلاق مأخوذ من الانطلاق والتحرر، فكأنه حل عقدة كانت موجودة وهى عقدة النكاح.

وعقدة النكاح هى العقدة التى جعلها الله عقدًا مغلظًا وهى الميثاق الغليظ، فقال تعالى: «وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا» «النساء: 21». إنه ميثاق غليظ لأنه أباح للزوجين عورات الآخر، فى حين أنه لم يقل عن الإيمان إنه ميثاق غليظ، قال عنه: «ميثاق» فقط، فكأن ميثاق الزواج أغلظ من ميثاق الإيمان.