قلب وقلم

محور الشيخ المنشاوى

عبد الهادي عباس
عبد الهادي عباس


الشهر الماضى مرت 55 عامًا على وفاة الشيخ محمد صديق المنشاوى، «20 يناير1920- 20 يونيو 1969»

تبدو اللافتة شديدة اللمعان، بهيّة، نقيّة، تخلب الألباب قبل العقول والأنظار؛ أنظر إليها فيهتز قلبى حبورًا بها، فأُرجع البصر فأزداد محبة أليفة إلى ذلك الجمال المعلّق على عمود كبير ليرشد أبصار سالكى الطريق إلى الوجهة الصحيحة، بعدما أرشد آذانهم صوت صاحب اللافتة إلى الطريق القويم.

ربما مرّت دقائق، أو ساعات، وأنا أدقق النظر فى لافتة مكتوب عليها بالخط العريض «محور الشيخ محمد صدّيق المنشاوي»، وربما ظللت أسترجعها فى ذهنى بحمولاتها الجمالية فيهتز وجدانى بهذا الاستدعاء لآيات الشجن المنشاوي، ويلحق الصوت بالصورة فتأنس نفسى إلى ذلك الجمال المتكامل.

يقول صديقي: إنها مجرد لافتة.. وأقول: لا، إنها عنوان لتوجه عام وسياسة عاقلة رشيدة تُدرك حجم الرواد الأوائل من قراء القرآن الكريم ومدى محبتهم المتجذرة فى نفوس المصريين والعرب والمسلمين أجمعين.. إنه اهتمام كبير من الرئيس السيسى منذ توليه الرئاسة بإعطاء كبار القراء المكانة التى يستحقونها فى المجتمع والتنويه بتراثهم فى كل وسائل الإعلام.

محور الشيخ المنشاوى بطول ٤١كم، وبعرض ٣ حارات مرورية لكل اتجاه، بإجمالى أطوال ٢٢٢٦م، ويعبر نهر النيل بكوبرى طوله ٨١٠م؛ ويربط المحور بين طريق الصعيد الغربى الجديد، والطريق الشرقى القديم، لتسهيل حركة انتقال المواطنين، وخدمة المشروعات التنموية، والمجتمعات العمرانية الجديدة فى المنطقة.

الشهر الماضى مرت 55 عامًا على وفاة الشيخ محمد صديق المنشاوي، (20 يناير1920- 20 يونيو 1969)، فلم يمكث على هذه الدنيا أكثر من 49 عامًا، إذ توفى سريعًا بمرض دوالى المريء، بعدما يسر الله للإذاعة حفظ المصحف المرتل وعشرات التسجيلات النادرة التى تحصد حتى الآن ملايين الإعجابات والمشاركات؛ فقد شنّف آذان المستمعين وترك بصمته الخالدة فى دنيا السماع القرآني، ويستحق أن نُقربه إلى الأجيال الجديدة، ونروى قصة حياته كل حين، وننشئ باسمه مئات المدارس وعشرات المحاور، ونقيم له احتفالات عند كل ذكرى له؛ لأن الذكر للإنسان عمر ثان، وعمر مديد، وهو فى غنى عن الذكر فى مكانه، ولكننا الذين نحتاج إليه فى دنيانا وأخرانا، نستمع إلى صوته الباكى فنتذكر الآخرة ونتقرب إلى الله، نهرب من الدنيا إلى رحابه الواسعة، نبكى معه حين يقرأ سورة العلق: «كلا إن الإنسان ليطغى»، ونتبتل معه: «الذى خلقنى فهو يهدين، والذى هو يُطعمنى ويسقين، وإذا مرضت فهو يشفين»، إلى آخر سورة الشعراء التى كان حريصًا على قراءتها فى تسجيلاته الأخيرة.

قراء القرآن فى صدارة الاهتمامات الرئاسية دائمًا، فقد زادت معاشاتهم عشرات المرات، وأصبحت خطة سفرهم إلى الخارج ميسرة، وتمت الاستجابة إلى كثير من طلباتهم؛ غير أن هناك عشرات المطالب الأخرى التى تنتظر الإنجاز السريع من د. أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، وأبرزها الموافقة على العلاج بمستشفى الدعاة، وتوفير مقر لائق بنقابتهم العريقة، بدلًا عن هذا المقر الضيق والمخنوق بحى السيدة زينب، وزيادة المعاشات، التى رغم الزيادات المتكررة، فإنها لا تزال ضئيلة جدا، ولا تليق بالأوضاع الاقتصادية الصعبة، كما أنه ليس كل القراء مشهورين ويحصلون على آلاف الجنيهات من السفر إلى الخارج أو القراءة بالمناسبات؛ وإنما الغالبية العظمى منهم يُعانون من قلة الدخل ويقرأون على المقابر.

أهل القرآن، وتراثهم الثري، وتلبية مطالبهم، أولوية أولى عند الرئيس والحكومة الجديدة، تشهد بهذا قاعتهم الفخمة فى مسجد مصر، والمحور الجديد للشيخ المنشاوي، وعشرات المحاور التى ننتظر أن نراها قريبًا فى كل المحافظات بأسماء رواد القراء فى كل محافظة.