لم تكن أغنيات محمد منير بطعم الحياة.. بل هي الحياة نفسها، بكل لحظاتها، حلوها ومرها.. بهجتها وشجنها.. قسوتها وحنانها.. خضوعها وتمردها.. هي بحق مرآة لمشاعر جيل بموجة الثائر على اليأس وبركانه المتفجر أحلام، ورغبة في تغيير الذات والعالم.
“إمبارح كان عمري عشرين”.. اسمعها فينتابني شعور متناقض بين ذكريات ورضا وآهات على زمن فات بسرعة، خاصة أنني من مواليد أكتوبر مثل “الكينج”.. لكن حافز الحلم بالأمل كان دائما موجود وكأنه عصفور يغرد بأذني يذكرني بأن الأماني ممكنة.. فمن غنى “إمبارح كان عمري عشرين” غنى “لو بطلنا نحلم نموت.. لو عاندنا نقدر نفوت.. حبة صبر.. حبة حماس”.
في تلك المرحلتين تكمن دراما الحياة، صوت وصورة حقيقة وخيال، والتي عشنا فصولها وتفاصيلها مع مشوار وحالات أغنيات منير، والتي احتضنت مشاعر وأفكار جيلي وأجيال أخرى، سواء كانت أغنيات منفردة أو داخل حالة درامية بعمل سينمائي، فالتأثير واحد .
كان منير يمثل لدى الوجدان العام صوتا يحمل رسالة، وليس مجرد مغن يدغدغ مشاعر وعواطف وروح و فكر، بل وأسلوب حياة لما الشتا يدق الببان .
وربما هذا هو الدافع وراء اختيار يوسف شاهين له في فيلم “حدوتة مصرية” عام 1982، ولنا أن ندرك تأثير تلك البداية القوية لمنير في السينما، وأهمية ما قدمه من أغنيات، خاصة في أفلام “المصير” و”اليوم السادس”.
أتوقف عند بعض هذه الأغنيات التي تحولت إلى أيقونات، مثل “حدوتة مصرية”، ضمن أحداث الفيلم الذي يحمل نفس الاسم، وهي كلمات الشاعر عبد الرحيم منصور وألحان أحمد منيب.
التجربة كانت أولى مشاركات منير التمثيلية مع شاهين، وقد كتب المخرج كلمات الأغنية على قبره، وكان يعتبره حنجرته وصوته في أفلامه، وعدت لأسمع الاغنية مرات ومرات، لمست كم هي رسالة ملايين البشر الأقوياء بقلوبهم يحنون على أنفسهم ووطنهم الأكبر بلا حدود.
“ما نرضاش، يخاصم القمر السما.. ما نرضاش، تدوس البشر بعضها.. ما نرضاش، يموت جوه قلبي نداء.. ما نرضاش، تهاجر الجذور أرضها.. بمد إيدي لك، طب ليه ما تقبلنيش.. لا يهمني اسمك، لا يهمني عنوانك.. لا يهمني لونك، ولا ولادك، ومكانك يهمني الإنسان ولو مالوش عنوان.”
وتأتي أغنية “بعد الطوفان” في ثاني المشاركات على التوالي مع يوسف شاهين بفيلم “اليوم السادس” عام 1986، والتي جسدت بصوت منير وموسيقى عمر خيرت وكلمات صلاح جاهين حالة إنسانية كبرى بعد مأزق كبير، قالت الأغنية “بعد الطوفان نلقي الصديق الزين.. نتسندو على بعض بلكتفين.. ونقول ده والله حرام، ما نبتديش العلام غير بالطوفان يعني لازم طوفان.. بعد الطوفان الجو شبورة.. ننده لبعض بهمسة مذعورة.. بشويش نمد الدين.. يالي إنتي جانبي رحت فين.. كان فيه طوفان وخلاص ما بقاش طوفان.. ونسنى أنا حيران”.
في فيلم “يوم مر يوم حلو” عشنا حالة وجدانية لانتفاضة حلم من قلب اليأس في أغنية “توت توت.. حاوي توت.. خش اتفرج هرج فوت.. زاحم لاحم عارك أضرب ناضل فاضل خطوة وتقرب.. وامسك نفسك جوه الملعب”، ويبقى منير المطرب الوحيد من أبناء جيله الذي وقف يمثل أمام فاتن حمامة في “يوم حلو ويوم مر”، تلك حالة منير في فلسفة الفن من أجل الحياة.. وكانت ومازالت السينما شاهدة عليها، ولم تختلف تلك الحالة كونها اجتماعية أو وطنية، اتذكر في فيلم “حكايات الغريب” أغنية “أنا صاحي يا مصر أنا صاحي.. سهران وفي حضني سلاحي.. واللي يقلل من قيمتي واللي يكسر عزيمتي يحرم عليه صباحي”، تلك الأغنية ألفها الكابتن غزالي شاعر الفدائيين في مدينة السويس، وكان من الذكاء أن يغنيها منير، لأنها تشكل حالة شاعرية دائمة لعزيمة المصري.
وتجيء “لو بطلنا نحلم نموت” أكثر من مجرد أغنية، بل شعار جيل كامل يرفعه دائما في حالات الانكسار أو عندما يتملكنا الفشل ويسيطر علينا الإحباط، والكلمات البديعة للشاعر عصام عبدالله والألحان المتميزة لمصطفى علي إسماعيل وغنى فيها “لو عاندنا نقدر نفوت.. لو عدينا مرة خلاص.. لو ردينا ضاع الخلاص.. حبة صبر حبة حماس.
يبقى الحلم صورة وصوت”، وفي فيلم “دنيا” للمخرجة جوسلين والذي جسد فيه “الدكتور بشير”، وهو كاتب ومفكر صوفي مشهور وجذاب غنى منير ما يشبه روحه وروحنا في فلسفة الحياة..
“دنيا رايحة ودنيا جاية.. تخلي بيكم ولا بيا
دور عليكوا ودور عليا.. ياما ياما كتير حكينا
عاللي بكرة هيجرى لينا.. من عشمنا كتير حلمنا.. واللي مقسوم بردو لينا.. قسمة حلوة ولا قسوة ولا أيام مش هنية
طمنينا ما تتعبينا ده اللي دقناه مش شوية..
آه يا خطوة آه يا شاردة.. بكرة مش زي النهاردة.. بكرة يجي يبل ريقي”.
في فيلم “شباب على كف عفريت” منحنا منير الروشتة كاملة “تتسرب في وجداننا..
أفرح أغني، أحزن أغني..
الدنيا دايرة غصب عني..
في إيديا إيه غير إني أغني”.
محمد منير قدم تجربة إنسانية مختلفة تعبر عن أحلام الإنسان ومشاعره وهمومه وأحلامه في الغناء بالسينما، كتبت له الخلود مع مخرجين كبار، وأداء تلك الأدوار المختلفة احتاج جرأة كبيرة من منير، وهي ما جعلته مختلف عن غيره، فليس لدى الكثيرين شجاعة الاختلاف، لكن ما قدمه يستحق الوقوف عنده .
هذا ما ضمن له الإستمرارية طوال تلك الفترة، وحقق تواصل مع أجيال مختلفة، بصمة شخصية وملامح.
امتلك منير طموحا بلا حدود وطاقة هائلة للتحدي، وكان شركاء المسيرة يدركون حجم موهبته الكبير، ويوجهون طوفان الصوت العذب في اتجاه يتحقق من خلاله.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







