بعد الاختصار

أسئلة ممنوعة مع «زول» مثقف

عمرو جلال
عمرو جلال


يعود عم آدم برأسه للخلف ويرتشف جرعة من الشاى «سكر زيادة» ليدارى بها مرارة تحملها كلماته وأيامه

من بين 450 ألف سودانى نزحوا مؤخراً من السودان الشقيق إلى مصر التقيت عم «آدم الكواهله» وهو رجل ذو ابتسامة جميلة تكشف عن أسنان ناصعة البياض ووجه أسمر نحيف ملامحه تشير إلى أنه يشق طريقه إلى منتصف السبعين والأهم أنه صاحب خبرة حياتية طويلة وقارئ مثقف وذهن حاضر... وصل القاهرة بعد أن هرب مع أسرته من أهوال الحرب الدائرة فى الخرطوم منذ أكثر من عام.

وفى أجواء شهر يوليو الذى شهد قيام ثورة الضباط الأحرار وتوقيع اتفاقية الجلاء البريطانية عن بلادنا واتهام الثورة وجمال عبد الناصر بانفصال السودان عن شطرها الثانى مصر دار بينى وبين عم آدم حوار لم يخل من أسئلة كان معظم السودانيين يعدونها ممنوع الحديث عنها بصراحة...لكن الرجل جاءت إجاباته ممزوجة برحيق خبرة سنوات عمره التى شكلت أخاديد عميقة حفرها الزمن على وجهه وملأت عقله برؤى للحياة والأحداث التى عاصرها.

فجاءتنى ردود هذا «الزول» وهى كلمة سودانية تعنى الرجل وتعنى أيضا الذكى الفطن والمرأة يمكن مناداتها بـ «الزولة»... يرفض عم آدم -بشكل قاطع- اتهام ثورة يوليو وعبد الناصر بأنهما وراء انفصال السودان عن مصر كما يشيع ويردد الكثيرون بلا وعى... ويرى أن الوثائق الغربية كشفت أن السياسة البريطانية طوال الاحتلال البريطانى لمصر والسودان هى التى كانت وراء فصل الروابط القومية والوطنية بين الشعبين وجعل حدود مصر تنتهى عند السودان بل وغرست فى وجدان السودانيين وتأجيج مشاعرهم ضد مصر.

يتنهد عم آدم ويشرح أن العلاقات المصرية السودانية أزلية وتاريخية وتعود إلى عصر الدولة الفرعونية القديمة والوسطى والحديثة والعلاقة بينهما تختلف عن علاقاتهما بأى دولة ولا تدخل فى إطار العلاقات بين الأمم المختلفة عن بعضها جنسا ولغة وديناً.

يتمنى عم آدم أن يقرأ كل مصرى وسودانى ما أثبتته معظم الدراسات البحثية التاريخية والكتب الغربية وأشارت إليه دون خجل وهى أن الدول الاستعمارية الكبرى رأت أنها حتى لو لم تحتل الأرض بالشكل المعنوى فقد خططت ونجحت فى ضرب فكرة الوحدة بين الشعوب العربية أو الأفريقية وبل وعملت على تكريس الانقسام بين الشعب الواحد واستبدلت الجيوش بالشركات متعددة الجنسيات لتنهب ثروات الأرض بأبخس الأثمان ودون قطرة دم أو طلقة سلاح.

وها هو السودان بعد 68 عاما لم يتقدم الى الأمام التقدم الذى تم زرعه فى خيالاتنا ولم يحقق تقدما اقتصاديا عما كان ولم يتقدم فى السياسة الدولية للمكانة التى تطلعنا لها وبعد أن خرجنا صغارا نهتف بشعارات تم غرسها فى الوعى السودانى..

اليوم انكشفت وانجلت الحقيقة .
اليوم السودان أصبح كما تمناه المستعمرون وليس السودانيون.. اليوم السودان الغنى بالموارد و الأراضى الخصبة مثقل بالديون الاقتصادية.. مثقل بخراب فكر الجماعات الإخوانية.. مثقل بانفصال جنوبه عنه ومثقل بحرب أهلية مدمرة لا يعلم سوى الله متى وكيف ستنتهى؟.. 

الاستعمار كان يدرك منذ لحظة خروجه أن دولة موحدة من مصر و السودان يعنى دولة قادرة بشكل كبير على حل مشاكلها الاقتصادية وأن تشكل كتلة أكبر فى السياسة الدولية والأفريقية.

 يعود عم آدم برأسه للخلف ويرتشف جرعة من الشاى «سكر زيادة» ليدارى بها مرارة تحملها كلماته وأيامه ويختم حديثه قائلاً : «عجيب هذا الاستعمار يتملك الصبر ولا يتعجل فى تحقيق أهدافه وقد ينتظر قرناً من الزمان ليتحقق له ما أراد وبأيدينا لا بيد عمرو».