اختتم مهرجان كان السينمائى دورته السابعة والسبعين السبت الماضى، بإعلان جوائز المسابقة الرسمية المثيرة للدهشة بأفلامها التى لا ترقى للتنافس فى مهرجان عريق يعد من أهم المهرجانات فى العالم، معظمها أفلام تجارية تغازل الجمهور بمشاهد جنسية لا أهمية لها فى البناء الدرامى للفيلم، وبعضها ضعيف المستوى يدهشك اختياره ومنحه شرف المنافسة على السعفة الذهبية المرموقة.

جاءت بعض أفلام المسابقة بتوقيع مخرجين كبار انتظرنا جديدهم بشغف، لكنهم خيبوا آمالنا، وكان خروجهم خاليين الوفاض متوقعا ومنطقيا، لكن ما خاصم المنطق وكان غريبا جدا، هو فوز الفيلم الأمريكى "Anora" لشون بيكر بالسعفة الذهبية، وكان بين الأفلام ضعيفة المستوى والتى صنعت بغرض تجارى بحت، ولم يكن فوزه بأى جائزة متوقع، لكن كان للجنة التحكيم رؤية أخرى - الغريب أن السعفة الذهبية تذهب كل عام لفيلم من توزيع شركة واحدة هى "نيون" وهو أمر يستدعى التوقف عنده - أما "Anora" فنصف أحداثه تدور فى ملهى ليلى للدعارة.
ومنه لعلاقة غريبة بين إحدى فتياته وشاب روسى ثرى، توقعه فى حبائلها وتتزوجه بسرعة تناسب تفاهة الشاب، لكن أسرته ترفض هذه الزيجة وتحاول إفسادها من خلال مواقف كوميدية، فيلم تجارى جيد، لقصة قديمة مستهلكة وسيناريو ضعيف، أنقذه المونتاج والإيقاع السريع للمخرج، الذى تمادى فى عرض المشاهد الإباحية لفتيات الليل، لجذب الجمهور وربما إعجاب لجنة التحكيم!
الطريف أن المخرج شون بيكر أهدى جائزة "السعفة الذهبية" لكل العاملين فى الجنس قديما وحديثا! هكذا وبمنتهى الوضوح فى كلمته بعد تسلمه الجائزة "المرموقة".. أما رئيسة لجنة التحكيم جريتا جيرويج فوصفت الفيلم بأنه رائع وإنسانى!
اقرأ أيضا| من قرية بالمنيا إلى العالمية.. حكاية نجاح فتيات «بانوراما البرشا»
جائزة أفضل إخراج ذهبت إلى المخرج البرتغالى ميجيل جوميز عن فيلم "الجولة الكبرى" وهو أيضًا لا يستحق، وإن كان مستوى أفلام المسابقة هذا العام يضعك فى حيرة شديدة.

الجائزة الأكثر هزلا وغرابة فى هذه الدورة كانت أفضل ممثلة، فقد منحتها لجنة التحكيم لأربع ممثلات تقاسمن بطولة فيلم "إيميليا بيريز" وهو فيلم فرنسى مكسيكى أمريكى غنائى ممتع، عن إمبراطور مخدرات يجرى جراحة ليتحول لامرأة ليفلت من السجن. الفيلم جيد جدا يستحق جائزة لجنة التحكيم التى فاز بها، لكنه لا يستحق الفوز بجائزة أفضل ممثلة، رغم أداء جيد لبطلة الفيلم كارلا صوفيا وهى ممثلة أسبانية متحولة جنسيا، ويبدو أنه السر فى فوزها وجمع زميلاتها النجمات فى الفيلم كى لا يغضب أحد، وهكذا فازت معها سيلينا جوميز أضعف الممثلات فى الفيلم!
جائزة أفضل ممثل ذهبت أيضاً لأضعف ممثل فى أفلام المسابقة، جيسى بليمونز عن فيلم "أنواع من اللطف"!
جائزة أفضل سيناريو لكورالى فارجيا عن "مادة" وهو فيلم خيال علمى رعب تدين من خلاله تشييئ المرأة والنظر إليها باعتبارها سلعة ومادة للمتعة فقط.. المؤلفة باعتبارها صاحبة قضية وثائرة، دعت للثورة ضد العنف الذى مازال يمارس ضد المرأة وتجاهلت تماما هى وكل الفائزين بالجوائز فى المهرجان ما يحدث من عنف ضد الإنسانية فى غزة، فلم يذكر أحدهم كلمة تدين قتل الأطفال والنساء وحرب الإبادة المستمرة منذ ٢٣٥ يومًا تقريبًا.
الجائزة الكبرى اقتنصها أيضا فيلم عن قضايا المرأة، وهو الفيلم الهندى "كل ما نتخيله كالضوء" لبايال كاباديا، وتدور أحداثه حول ثلاث نساء من أعمار ومستويات مختلفة فى رحلة للبحث عن حريتهن.
السينما التسجيلية الأفضل فى المهرجان

بعيدًا عن المسابقة الرسمية، كان الحدث الأهم والمبهج قد أُعلن قبل الختام بيوم، وهو فوز الفيلم المصرى التسجيلى "رفعت عينى للسماء" بجائزة العين الذهبية لأفضل فيلم تسجيلى وذلك مناصفة مع الفيلم الفرنسى "إرنست كول: فُقد ووُجد" عن مسيرة المصور الجنوب أفريقى إرنست كول خلال فترة الفصل العنصرى، وما مر به من مصاعب ومآسٍ دفعته للهجرة إلى أمريكا وأوروبا ونجح الفيلم الرائع بسرد مؤثر وصادم فى توثيق كل التحديات والمحن التى مر بها المصور الثائر حتى توفى شابا.
أما الفيلم المصرى "رفعت عينى للسماء" للمخرجين ندى رياض وأيمن الأمير، فهو فيلم شديد العذوبة والإنسانية، يتتبع رحلة فتيات قبطيات مولعات بالفن، يؤسسن فرقة مسرحية متجولة فى قريتهن الهادئة "برشا" الواقعة بمحافظة المنيا (كان أجمل ما فى الفيلم استعراض طبيعة القرية البسيطة والراقية فى ذات الوقت)، تناقش الفتيات قضايا مهمة بجرأة من خلال فرقتهن بانوراما برشا، حرية المرأة والزواج المبكر والتحرش والعنف وغيرها، يتجولن فى الشوارع بحرية بعروض جريئة يواجهن فيها جمهورهن دون خوف أو خجل، فى محاولة للتنوير تستحق كل الاحترام، واستطاعت الفتيات بإمكانات بسيطة تطوير فرقة بانوراما.
إلى أن فرقتهن خيارات المستقبل والحياة، إحداهن اختارت الزواج والإنجاب من ابن عمها الذى تثق فى إيمانه بها ودعمه لها حتى تصبح مطربة مشهورة، والثانية رضيت بالارتباط بمن طرق بابها، وبدون أى تفكير خضعت لممارساته الاستبدادية، رغم تدخل الأب المستنير لإنقاذها من التنازل عن شخصيتها والتفريط فى حقوقها ارضاء لزوج لم تكن تعرفه، يحذرها الأب الراقى ذو الرؤية الثاقبة من مصير هذه العلاقة ويلفت نظرها بحنان وخوف مشروع كمسيحيين لزواج بلا طلاق، وركز المخرجان بذكاء على نظرات الفتاة الهائمة بلا هدف وابتسامة واندهاشه الأب لاستسلامها..
كانت علاقة الأب الصعيدى وابنته من أجمل ما فى الفيلم، كما رصدت كاميرا المخرجين العلاقة المتحضرة الراقية بين الفتيات وأسرهن المترددين فى دعمهن تارة والخوف على مستقبلهن فى مجتمع يرى أمان الفتاة فى الزواج وكنف رجل وأسرة.. سرد سلس لمسيرة الفتيات وأحلامهن وتفاصيل الحياة المشرقة فى القرية التى أحببناها معهن..
ينتهى بفتور شغف الفتيات الحالمات بالتمثيل والفرقة بعدما اختارت كل منهن طريقا مختلفا، إلا أن قائدة الفرقة المخرجة الموهوبة بالفطرة "يوستينا سمير" تقرر ألا تتنازل عن الحلم.
«منّة».. درويشة فى عالم المولوية
«عمر» إرادة ضد الإعاقة
صيام الأبناء تغذية سليمة وتهيئة نفسية







