«باب المشفى».. قصة قصيرة للكاتب عمرو صلاح الغندقلي

عمرو صلاح الغندقلي
عمرو صلاح الغندقلي


 

أطرق الباب بقوة وأنا ألهث، لكن ليس هناك من أحد يرد، أصرخ أغيثوني، ولا أسمع أحد يرد سوا صدى صوتي

أغيثونى... أغيثونى... أغيثونى ، ألتفت، كان خلفي يركض أوناس كثيرة كل منهم  يحمل مصاب ، كان من بينهم من  يحمل  أمه ، وهي تنزف، كانت تئن، وكان هناك من يحمل أطفال رضع، وبقايا انسان .

أتساءل أين رحلوا؟

أنظر خلفي الآن، ولا أجد سوا الأنقاض في كل مكان بقايا جدران، وأحلام موؤده، كانت الأطفال ترسمها على الجدران، الان أصبحت أطلال.

كان هناك بقايا أشلاء، ودماء تسيل، صارت في أخاديد تسقي شجرة صبار وحيدة، ظلت باقية، ظلت شاهدة على تلك المجزرة المتكررة، ظلت شاهدة على تلك المهزلة الممتدة منذ خمس وسبعون سنة، شعب يقاوم محتل خسيس، يتعلم من خبثه أبناء إبليس.

شعب فعلوا كل شيء من أجل أن يبيع القضية، إلى أي حد يستطيع التحمل.

أطرق بقدمي الباب بقوة، العرق ينساب مني، أبى مازال فاقد الوعي وشمس المعلقة اعلى كتفي تحتضن رقبتي، مازلت شمس حيا، أصرخ، افتحوا الباب، أنقذوا ما تبقي منا، إذا متنا كادت أن تموت القضية، مازلت أطرق باب المشفى، لكن لا أحد يرد ..

 عقلي لا يكف عن الأسئلة، أليست هذه مشفي ؟ من الذي أغلق الأبواب ؟ من الذي  يداوي من بها جرح ؟ من الذي يستطيع أن يجمع اشلائنا ؟

من يستطيع أن يجمع شملنا؟

مازلت أحمل بين يدي أبى وعلي كتفي أحمل بقايا ابنتي، كانت شمس في الصف الرابع، كانت تحب المدرسة، كانت أيضا تحب الحياة، تحلم أن تكون ذات يوماً مُدرسة تاريخ، كانت تحب التاريخ، كان أبي يحكى لها قصة فلسطين، يحكي قصة شعب صامد حتي أحبت التاريخ.

مازلت أحمل أبى بين يدي، ابى شيخُ كبير، كان قعيد، كسى وجهه تراب، فاقد النطق تماماً كما العالم .!

من يَنقذ أبي كمن يُنقذ روحي، كمن ينقذ تارخى ،من يَنقذ شمس يُنقذ وجودى ، ينقذ امتدادى .

أصرخ واطرق الباب بقدمى ، افتحوا الباب ، انى  تركتُ خلفى مابقى من عائلتى تحت الأنقاض ،صمت مميت يُصيب الأمكنة ،بعد كل قذيفة ،تنتشر اشباح مخيفة ،رائحة الموت عبر الغبار تفوح ،يتلون الهواء بلون رمادى ، كم كرهت هذا اللون ،ينبعث من تحت الرماد  اللسنة لهب صارخة المحها في كل مكان ومازلت الإنسانية صامتة ، مازل هناك من يشجع على الإبادة.

مازل هناك من يرقص فوق جثث الموتى ،  يحتفي بقتل الابرياء ،يحتسى كأس خمر ممزوجة بدماء ، الموت احيانا كثيرة يمهد الطريق للملوك ، والرؤساء.

المشفي مازلت مغلقة ، ما عاد هناك دواء ، شحت الاكفان ، بات الحصول على كسرة خبز حلم.

ماعاد هناك ماء ، الإحتلال سكن حتى الهواء ، كلما تنزلت رحمات مزقوها أرب ،صارت الأفواه تنوح ، تخشى من يكمم أحدهم ذات يوم ،من سيحكى ،قصتنا إذا رحلنا ؟

من سيحكى ألم إنتزاع الجذور ؟

من سيحكى أطنان الجروح ،هل هناك من سيتذكرنا ؟

 أم سيذهب ذكرانا والوطن تحت الأنقاض ؟ هل سيبقى الوطن إذا رحلنا أم تسكن ذكراه دفاتر النسيان ؟

مازلت أطرق باب المشفى لكن لم يرد أحد.