زحف وسط خروج الموظفين في ذاك الوقت، بعد انتهاء العمل، قام بفتح قفل الدراجة المحاطة بجنزير حول الباب الحديد الخلفي لمكتب بريد روض الفرج، ركب الدراجة وهو يفكر في النواقص التي سوف يمر علي السوق ، ليشتريها لزوجته، كان يرتدي بنطال وقميص كاكي.
اسمه سيد ويعمل ساعي في مكتب البريد، منظم ونظيف، يركب دراجته التي يهتم بها كما يجب ويحبها، فهي تغنيه عن معاناة المواصلات وكانت بمثابة الصديق الوفي، دائما يضع صندوق صغير بقفل، به عدة لإصلاح ما يطرأ علي دراجته جراء عطل مفاجئ، وفوطة يقوم بمسح دراجته مرتين في اليوم، مر من شارع عبيد وعند عروجه يميناً بجوار صبحي كابر ذلك المطعم المشهور بحي الساحل بروض الفرج، الذي لا يملك سوى المرور بجواره فقط، لا أن يكون في يوم ما أحد زبائنه.
كان هناك زحام شديد، نظرا لوقوف عدد كبير ينتظر دوره في دخول ذلك المطعم الشهير، فجأة ظهرت سيارة حمراء فارهة، كانت تركبها إمرأة، وقد ظهر على ملامح وجهها الضيق من ذلك الزحام، ويبدو أنها كانت تسير بالسيارة في حرص خشية أن تصطدم بأحد، أو يصطدم بها أحد، هذه السيارة تقدر بعدة ملايين، قد ألحت علي زوجها الثري الشهير الذي لا تعلم علي وجه الدقة ماذا يعمل، مبلغ علمها أنه رجل أعمال ولا تلتفت لأكثر من ذلك، لما يتردد من أقوال تصف عمله، إنها أعمال غير مشروعة، لم تهتم بذلك قط، فقط تصب جُل اهتمامها بأحدث السيارات والبرندات والترندات وأماكن المصيف الجديدة داخل مصر وخارجها، وأشهر المطاعم وأحدث أماكن للتنزه، هي إمرأة تعتني جيدا بنفسها ولا يعنيها غير إشباع رغباتها التي لا تنتهي، تغار إذا رأت من ترتدي الأحدث من البرندات ولا تحب أن تري أحسن منها قط.
من ينظر إلى وجه تلك المرأة ، يعرف كم هي متوترة .
انفتح الطريق بحيث تستطيع أن تمر أسرع، وهي تستخدم الكلاكس وكثيراً من السباب غير المسموع نظراً لغلق زجاج سيارتها وهي بالطبع مكيفة لاشك في ذلك، كانت واعدت أصدقائها أن تدعوهم للغداء احتفالاً بالسيارة الجديدة، وقد اشترطوا أن يكون عند صبحي كابر.
أسرعت قليلاً ثم عرجت يميناً في شارع ضيق بعض الشيء، وكان هناك في الأمام سيد يسير بدراجته، علي مهل، أرسلت عدت كلاكسات دون طائل، أخذت تسب وتقول: اوعى وسع خليني أعدي.
لكن لا شئ يحدث أطلقت عدت كلاكسات وأسرعت ثم مر أحدهم أمام سيارتها فتفادته، وارتطمت بدراجة سيد الذي اندفع بقوة جراء الارتطام وطار علي الرصيف يميناً، وهو ينظر إلى العجلة الأمامية وقد طارت وجرت أمامه، الجهالة تجعل الناس تتصرف كالعميان، لهم عينين لكن لا يبصرون بها.
قام سيد وقد أصيب بخدوش في ذراعه ويده وقد تمزق قميصه. اعتدل ينظر ما الذي حدث، نزلت الفتاة تنظر إلى سيارتها وقد حدثت بعض خدوش في الرفرف الأمامي للسيارة، وما أن رأت ذلك الخدش حتى صاحت: انت ياحمار، عمالة أضرب كلاكس وانت ماشي بارد ولا همك، كدة خدشت العربية دنا لسه شاريها جديدة، انت ايه اطرش ما بتسمعش ؟
التم جمع من الناس راح أغلبهم نحو سيد وساعدوه، وهي مازالت ترسل في السباب .
وهو ينظر إلى صراخها وتعبير وجهها الذي يعبر عن كل معاني الغضب .
نظر أحدهم إليها وإلى ماكانت ترتديه من فستان ضيق وقصير وقد سال لعاب أحدهم حين رأى مفاتنها.
قام سيد واعتدل وهو يفكر فيما حدث، وكيف حدث ؟
لملم ما تكسر من دراجته، كلما نظر إليها يجد هذا الصراخ وتشويح باليدين يعود ليجمع ما تكسر، ويسأل لماذا تصرخ في وجهي ؟
سالت الدموع علي خديه، ربما من الألم وربما لشعوره بالإهانة وربما لأنه لايعرف السبب.
جاء أحدهم بالعجلة الأمامية وقام سيد بربطها وهو مازال في في حالة ذهول، أصلح العجلة لكنه لم يستطيع أن يركبها، ثم أخذها ومشي يعرج قليلا ولا ينظر للخلف ومازلت تلك الدموع لم تتوقف، وهو ما زال يمشي حتى توارت خلفه الناس وتلك المرأة والسيارة الحمراء الفارهة.
ركبت تلك المرأة سيارته ومرت بجواره وقامت بإرسال السباب وهي تسير ولم تعلم أنه كان أبكم وأصم .

«ضيفة غامضة» قصة قصيرة للكاتبة مارا أحمد
«إقرار» قصة قصيرة للكاتب محمد عاطف الجندي
«ورد الجلنار» قصيدة للشاعر عاطف الجندي





