بعد ثلاثة عقود من دعوة آية الله الخميني بإهدار دم سلمان رشدي، بدا أن هذه الهمجية الدينية قد تلاشت وتحولت إلى طُرفة تاريخية، وعاد مؤلف «آيات شيطانية» إلى ما يشبه الحياة الطبيعية بعد سنوات من تهديد بطلب حياته مقابل ملايين الدولارات.
وفي الواقع، بحلول عام 2017، وفقًا للمعادلة القديمة القائلة بأن المأساة + الوقت = كوميديا، بدت فتوى آية الله المتوفى قديمة جدًا لدرجة سمحت لرشدي بالظهور بنفسه في عرض سيت - كوم يسخر من الفتاوى. إلا أن خلايا التعصب انتشرت على نطاق أوسع مما يظن وظلت نائمة لفترة أطول مما توقعه أي شخص.
وفي أغسطس الماضي، وأثناء استعداده للتحدث في مؤسسة تشوتوكوا حول أهمية توفير ملاذ آمن للكتاب المنفيين، تعرض رشدي لهجوم من قِبل رجل مُسلَّح بسكين. قبل تقييد المعتدي، تمكن من طعن رشدي عشر مرات. نجا رشدي، لكن ورد أنه فقد بصر إحدى عينيه ووظائف إحدى يديه.
ألهمت تلك المحنة المروعة زخمًا مؤقتًا من تصريحات نبيلة حول قدسية حرية التعبير. لكن لا يزال الكتاب في جميع أنحاء العالم يتعرضون للمضايقة والسجن وحتى القتل بسبب عملهم. وفي الولايات المتحدة، اكتشف المتعصبون الدينيون وحلفاؤهم السياسيون الأكثر ارتيابًا في دوافع الناس أن حظر الكتب وإدانة الكتاب وتهديد أمناء المكتبات تظل تكتيكات فعالة لجمع الأموال ونشر دعايتهم.
وكم هو مُبهج إذًا أن يُهدى رشدي نفسه رواية سحرية جديدة في هذه اللحظة العصيبة. رُغم اكتمال «مدينة النصر» قبل هجوم تشوتاوكوا، فمن المستحيل عدم قراءة أجزاء من هذه الفنتازيا البديعة كرمز لنضالات المؤلف ضد الكراهية الطائفية والجهل . في الواقع، نظرًا للتضحيات الجسدية والعاطفية التي قدمها، فإن تماس بعض المصادفات في هذه القصة وحياته جعلها مؤثرة للغاية.

وفي المفتتح، لا يقدم رشدي هذه الصفحات على أنها من إبداعه الخاص بل مجرد مُلخص «مُقتبس كليًا» من قصيدة ملحمية قديمة . يزعم أن النص السنسكريتي اكتُشف مؤخرًا محفوظًا في وعاء فخاري وسط أنقاض فيجايانجارا. هذه التحفة الخالدة، «جاياباراجايا»، هي كتاب نبيَّة تُدعى بامبا كامبانا توفيت عام 1565 عن عمر 247 عامًا.
وتثير بعض هذه التفاصيل الشكوك، بينما نُقِل البعض الآخر بدقة من التاريخ . كانت فيجايانجارا - «مدينة النصر» باللغة السنسكريتية - عاصمة لإمبراطورية هندوسية شاسعة في جنوب الهند يومًا. تشير السجلات إلى مدينة مزدهرة وتعددية ومتسامحة ثقافيًا وذات ثروات ضخمة وبنية تحتية مُتقنة، لكنها استسلمت في النهاية للجيوش من المهاجمين، دمرت المدينة تمامًا.
وفي منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أعلنت منظمة اليونسكو الأنقاض الموجودة على ضفاف نهر تونجابهادرا كموقع للتراث العالمي . بينما يستمر هذا المشروع لاستعادة الموقع، يقدم رشدي هذه الاستعادة الخيالية الطموح بنفس القدر.
ولأنه مجرد مترجم ومُلخِّص للنص، فإنه يتعامل بخفة، ونادرًا ما يقاطع استرساله لتسجيل بعض الثغرات الغريبة في النص الأصلي أو تقديم القليل من الإرشادات التحريرية . بخلاف ذلك، تتلاحق مغامرات متعددة لأجيال من مملكة كانت عظيمة يومًا كأننا ننغمس في النسخة الهندية من «لعبة العروش».
وتبدأ الحكاية قبل زمن طويل من صعود وسقوط إمبراطورية فيجايانجارا، في البقايا المحترقة ل «مملكة صغيرة مهزومة». في هذا المشهد الواقعي المُدهش، تغادر الأرامل الناجيات قلعتهن، ويشعلن نارًا هائلة على طول ضفة النهر ثم يمشوين بين ألسنة اللهب.
وتظهر بامبا كامبانا ، البالغة من العمر تسع سنوات، ابنة إحدى النساء، مُخَلَّفة ومصدومة. يكتب رشدي: «لبرهة، حاولت بامبا إقناع نفسها بأن والدتها كانت منقادة وتتماشى مع الحشد». لكن حين ترى لحم والدتها يُشوى ويتساقط عن العظام، تتخذ قرارها، «لن تضحي بجسدها لمجرد اللحاق بالموتى في العالم الآخر». «رفضت أن تموت صغيرة وقررت بتحدٍ أن تحيا، بدلاً من ذلك، لتصير عجوزًا صلبة».
وتنجذب إلهة إلى حيوية الفتاة الصغيرة العازمة، وتبدأ في التحدث إليها ومن خلالها. تعلن الإلهة: «ستقاتل للتأكد من عدم حرق المزيد من النساء بهذه الطريقة، وأن يبدأ الرجال في التفكير في النساء بصورة جديدة» بعد حوالي عقد من الزمان، عندما جاء اثنان من الرعاة طالبين منها الحكمة، تبارك بامبا كيسًا من بذور الخضراوات وتطلب من الأخوين زراعتها في الموضع الذي ماتت فيه أمها.
وفي لحظات كهذه - وهي متكررة في «مدينة النصر» - يكشف أسلوب رشدي السحري عن العجائب. في غضون ساعة بعد نثر البذور، «بدأ الجو يتلألأ»، حسب تعبيره، وانكشفت مدينة مذهلة من تحت الأرض الصخرية - من القصر الملكي إلى معبد القرد، وأكشاك السوق ذات الأسقف المرفوعة وفيلات الأرستقراطيين، بالإضافة إلى آلاف الأشخاص ممن «وُلدوا من قلب هذه الأرض البُنية، ونفضوا الأوساخ عن ملابسهم، ثم ازدحمت الشوارع».
ولكنهم يشبهون الزومبي أكثر من آدم وحواء، والمدينة الوليدة ليس لها قيمة ولا تاريخ. وهكذا، «لمعالجة أوجه وهميتها»، تلجأ بامبا إلى الخيال. تهمس بشخصية وماضٍ لكل مقيم في فيجايانجارا. يكتب رشدي: «حتى وإن كانت تلك القصص خيالًا في أذهانهم، إلا أن هذا الخيال له قوة التاريخ، يكشف هؤلاء البشر الجُدد لأنفسهم، ويمكنهم من فهم طبائعهم الخاصة وطبائع ما حولهم، ويجعلها حقائق».
وقد يرى المرء في هذا المقطع فلسفة رجل قضى ما يقرب من خمسين عامًا في غزل الحكايات التي صارت قوية كالتاريخ - من «أطفال منتصف الليل»، التي حازت على جائزة بوكر في عام 1981 ، إلى «آيات شيطانية»، التي أشعلت الاحتجاجات حول العالم. «تلك هي المفارقة في القصص التي تهمس بها: لم تكن أكثر من وهم ولكنها خلقت الحقيقة».
بامبا، البطلة الخارقة المتعاطفة والضعيفة، تضفي على مدينتها حكمة عظيمة وجانبًا معرفيًا وجندريًا عميقًا. إنها تأمل في خلق ما يشبه مدينة فاضلة نسوية، «مكان للضحك والسعادة واللذة الدائمة والمتنوعة».. لكن كما يكتشف خالقو العوالم الآخرون، فإن هبة الإرادة الحرة تمثل مشكلة. لأكثر من قرنين من الزمان، شاهدت مملكتها تنمو وتتعثر.
وحُكام جدد- بعضهم حكيم، وآخرون حمقى، وقِلة بالغة الحقارة. في عصورٍ بعينها، احتلت بامبا مناصب ذات سلطة سياسية كبيرة وبارزة؛ في حالات أخرى، ازدُريَت بل ونُفيَت.
ورُغم تصميمها الرائع، إلا أن «مدينة النصر» بسيطة بشكل مدهش. هذَّبَ رشدي هنا الاتقان المُبالغ فيه الذي أثقل رواياته الأخيرة أحيانًا، واستبدله بروح دعابة خفيفة وسخرية بارعة. ألقى الإطار الزمني الطويل الممتد للقصة، والكارثة المتنبأ بها في النهاية، بظلال من الكآبة من خلال موجات من المكائد السياسية التي تقصف الإمبراطورية.
وأثناء مهمة بامبا، ظهرت إحدى القوى هي الأخطر والأكثر تهديدًا لآمالها وبقاء المدينة: التعصب الديني. كان رشدي في أفضل حالاته أثناء تفكيكه أسس النقاء الروحي المناضل. رُغم الجهود التي تبذلها بامبا، تتجاذب الضغائن والنقائص والمخاوف أفراداً من كل جيلٍ جديد وتدفعهم نحو التطرف.
وتَعتبِر شريحة معينة من السكان، شريحة صغيرة لكنها مؤثرة، أن تفكير الآخرين في شىء مختلف أو استمتاعهم بالحياة بطريقة مختلفة أمر لا يطاق. على حد تعبير أحد مستشاري المحكمة، «هناك وجوه حزينة وقلوب وحيدة تصير أشد حزنًا وأكثر انزعاجًا ووحدة لرؤية صور فرح الآخرين». وكما اجتاز جاليفر الكرة الأرضية، تبحر بامبا عبر الزمن، وتكتشف في كل عصر أمثلة جديدة لغرور الرجال وتسلطهم.
ورغم قوتها الاستثنائية، فإنها لا تستطيع فعل الكثير للحفاظ على ازدهار مدينتها، أو حتى حمايتها في نهاية المطاف. قالت لأحد الملوك: «إمداد السحر ليس أبديّا». مثل ميلتون، يبدو أن رشدي يعرف أن القدرة المطلقة تقلل من التوتر الدرامي. لكن بامبا تستطيع الهمس، ويمكنها الإقناع، وحتى بعد أن أعماها أعداؤها، يمكنها الكتابة.
تقول: «المعجزة واليومية نِصفَان لكُلٍ واحد». وقد يكون هذا أفضل وصف لعمل رشدى.
اقرأ أيضاً| صالح لبريني يكتب: شَبِيهٌ بِالنَّهْرِ إلى بحيرة تامدة التي تسكن خاطري والمهدّدة بالزّوال
نقلا عن مجلة الادب :
2023-3-4
«أم كلثوم صوت العرب» في أول أعداد العام الجديد من مجلة الأهرام العربي
«وجودك ذنب.. قصة عقل».. سردية إبداعية لـ «محمد هزاع»
"أبواب كثيرة لعدن".. الديوان الشعري الثالث لمنال رضوان.







