إبراهيم الهلباوي.. محطات في حياة «شيخ المحامين» وأول نقيب لهم

إبراهيم بك الهلباوي شيخ المحامين وأول نقيب للمحامين المصريين
إبراهيم بك الهلباوي شيخ المحامين وأول نقيب للمحامين المصريين


- ترافع عن مكرم عبيد وأحمد حلمي ضد الخديوي

- اشتهر الهلباوي بلقب جلاد دنشواي

- أوقف من ماله 40 فدانا لنقابة المحامين

لقب بـ«شيخ المحامين» ومحامي القضايا الوطنية، فارس الكلمة وعبقري من عباقرة القانون، وكان من أبرز المحامين في القرن العشرين، انتخب أول نقيب للمحامين المصريين عام 1912، هو إبراهيم بك الهلباوي، الذي عرف بقلب «جلاد دنشواي» بعد أن عمل مدعيًا عامًا ضد فلاحي دنشواي، وانخرط في سلك العمل والكفاح الوطني ليكفر عن خطئه الذي صدر منه في دنشواي.


نشأته

وُلد في الساعة الحادية عشرة من مساء اليوم الخامس عشر من رمضان سنة 1247 هجرية 30 أبريل سنة 1858م، جده ووالده من أصل مغربي، نشأ في بلدة العطف (المحمودية الآن) بمديرية البحيرة، والده وُلد بتلك المدينة واحترف مهنة الملاحة في النيل فلما قل رزقها عمل بالزراعة وتجارة الحبوب، وعاش أكثر عمره أميًا إلى أن تلقى القراءة والكتابة عن الشيخ عبد الحافظ البحيري.

دخل الهلباوي كُتّاب المدينة ودرس على يد الشيخ الشامي وانتقل إلى الأزهر ولبث به سبع سنين، درس مذهب الإمام مالك على يد الشيخ (رزق اليرقاني ) ودرس النحو والمنطق والبلاغه على يد شيخ الاسلام ( الشيخ الجيزاوي ) ثم ( المحلاوي ) والانبابي، وهاجم جمال الدين الأفغاني وما لبث أن أصبح تلميذًا له ودرس المذهب الحنفي على يد الشيخ المفتي عبدالرحمن الرافعي.


حادثة دنشواي

يُعد الهلباوي أشهر محاميي القرن العشرين؛ بسبب قدرته على إقناع العدالة ببراءة موكله، لكنه ارتكب خطأ فادحًا دفع ثمنه طوال حياته بكراهية الناس له بعد دفاعه عن الجنود الإنجليز وإدانة الفلاحين المصريين في حادثة دنشواي قائلًا: «إن الاحتلال البريطاني لمصر حرر المواطن المصري وجعله يترقى ويعرف مبادئ حقوقه المدنية والسياسية وإن هؤلاء الضباط الإنجليز كانوا يصطادون الحمام في دنشواي ليس طمعًا في لحم أو دجاج ولو فعل الجيش الإنجليزي ذلك لكنت خجلًا من أن أقف أدافع عنهم».

ووصف الهلباوي الفلاحين في ادعائه قائلًا: «هؤلاء السفلة وأدنياء النفوس من أهالي دنشواي قابلوا الأخلاق الكريمة للضباط الإنجليز بالعصى والنبابيت وأساؤوا ظن المحتلين بالمصريين بعد أن مضى على الإنجليز 25 عامًا ونحن معهم بكل إخلاص واستقامة».

وليكفر الهلباوي عن خطئه بعد ذلك في حق الفلاحين، ترافع عن إبراهيم الورداني بتهمة قتل بطرس غالي أحد القضاة الذين حكموا على فلاحيّ دنشواي بالإعدام فقال في مرافعته: «جئت للدفاع عن قاتل القاضي الذي حكم على أهالي دنشواي بالإعدام، جئت مدافعًا أستغفر مواطنينا عما وقعت فيه من أخطاء شنيعة، اللهم أني أستغفرك وأستغفر مواطنينا».

عمله 

عمل في جريده الوقائع المصرية، وعين سكرتيرا للبرنس حسين كامل ( السلطان حسين كامل فيما بعد )، وانخرط في سلك المحاماه عام 1886 وعمره يقارب الواحد وثلاثون عاما، وافتتح أول مكتب له بمدينة طنطا وكان بارعا فصيحا فاكتظ مكتبه بالقضايا ولمع نجمه في مده قصيره وانتقل الي القاهره في 1889 م.

سبب شهرته 

اشتهر اسمه وهو مازال صغيرا بعد ترافعه عن المتهم في قتل ابنة قنصل البرازيل فحصل على حكم بالسجن ثلاث سنوات رغم اعترافه، ومنذ ذلك التاريخ أصبح محاميا لامعا يلجأ إليه علية القوم وفقراؤهم.

وعمل محاميا للخديوى في محاكمة المصريين في حادثة دنشواي، وكان رئيس المحكمة بطرس باشا غالي، ووقف الهلباوي مترافعا حتى صدر حكما بالإعدام على أربعه وحكم على اثنى عشر بالاشغال الشاقه أو الحبس و50 جلده.

وكان يقول إنه خدم المتهمين إذ لولا مرافعته لتم إعدامهم، الا أن هذه المحاكمة جعلت الشيخ جاويش يطلق عليه لقب (جلاد دنشواي) وهجاه حافظ ابراهيم في قصيدة له.


وتدهورت حالة إبراهيم الهلباوي بعد هذه القضية، وواجه حربًا شديدة من الناس وخصومه وأصدقائه، إلا أنه صمد أمام كل ذلك وكانت له كلمته الشهيرة (ما أتعس حظ المحامي وما أشقاه، يعرض نفسه لعداء كل شخص يدافع ضده لمصلحة موكله، فإذا كسب قضية موكله، أمسى عدوًا لخصمه دون أن ينال صداقة موكله).

عرض عليه وظيفة مستشار في محكمة الاستئناف وهمّ أن يقبلها حتى قابل امرأه عجوز عرفت بذلك، فقالت إن في مصر 40 مستشارًا ستكون واحدًا منهم، ولكن يوجد محامي واحد لا مثيل له، فرفض القضاء، وما لبث أن صالحه الزمن إذ جاءه خصومه، والذين حاربوه يطلبون معاونته في قضية مقتل بطرس غالي ليكون مدافعا عن قاتله إبراهيم الورداني، فقبل القضية على الفور وأبلى فيها بلاء حسن، واتجه  يدافع عن القضايا الوطنيه فكان وطنيا مخلصا ومحاميا عظيما، فحاربته السرايا وانقلبت عليه الحكومة إلا أن ذلك لم يثنيه وكأنه يكفر عن محاكمة دنشواي، وأصبح خصوم الأمس أصدقاؤه، فصالحه حافظ إبراهيم واصبح ملازما له.


وكان الهلباوي خطيبا مفوها وممثلا رائعا يمزج بين العربيه الفصحى والعامية البسيطة، ويتحرك بخفه ورشاقه يجبر المحكمة على سماعه ويجعل من يسمعه ويراه مشدوها بعبقرية هذا الرجل.

قال عنه عبد العزبز البشري في المرآه: (شيخ يتزاحف على السبعين ان لم يكن قد اقتحمها فعلا عاش مدى عمره يحبه ناس اشد الحب ويبغضه ناس اشد البغض الا ان هؤلاء وهؤلاء لا يسعهم جميعا الا التسليم بأنه رجل عبقري).


بداية نشأة نقابة المحامين 

حارب الهلباوي من أجل إصدار قانون لإنشاء نقابة المحامين، حتى ظفر به عام 1912 وانتخب كأول نقيب للمحامين بأغلبية 307 أصوات من 333 صوتًا، فلقبه المحامون بـ"شيخ المحامين" عرفانا بما قدمه لهم، كما أنه أوقف من ممتلكاته 40 فدانا لنقابة المحامين.

وكان أكبر نصر حققته النقابة هو تقرير الحصانه للمحامي فاجتمع له الجلالان «جلال الكرامة وجلال البيان».

معلومات عامة

إبراهيم بك الهلباوي أول من أسس حزب الأحرار الدستوري وهو واحد من النقباء الثلاثة الذين وضعوا الدستور مع عبدالعزيز باشا فهمي ومحمود ابو النصر، وترافع عن مكرم عبيد وأحمد حلمي ضد الخديوي فكان نعم العون ونعم الزمالة.

 

وتوفي أول نقيب للمحامين، إبراهيم بك الهلباوي، عن عمر يناهز  82 عامًا، وذلك عام 1940م.