الشعب لم ينتخبني لإعادة الرأسمالية إلي كوبا، بل لاستكمال المسار الاشتراكي

(راؤول كاسترو، بعد انتخابه خلفا لشقيقه فيدل)



فرح بالأمر المباشر
النهاردة عطلة رسمية ومصر اليوم في عيد، ومظاهر الاحتفال بالعيد حوالينا ف كل مكان، في الإعلام، وفي الكهارب علي الكباري، وف بالونات الأفراح اللي في التحرير، بس انا صحتي مش مساعداني علي المشاركة، وحتي لو حالتي الصحية سمحت، فأنا – واللي زيي – مش مدعوين، وعلي رأي المثل الشعبي : في الهم مدعيين وفي الفرح منسيين، ومع ذلك فأنا فرحان وفخور بالشعب العظيم اللي لما طلبت منه المساهمة جمع أربعة وستين مليار جنيه في تمان أيام، معظمها من المدخرات الصغيرة والمتوسطة، ومش من المليارات المتلتلة اللي نهبها كبار الفاسدين من عرق الغلابة وقُوتهم ودمهم، والحقيقة اللي ما اقدرش أخبيها عن قرائي الكرام، ان قلبي زي ما جواه فرحة كبيرة، جواه قلق أكبر، لأن مشروعات تنمية القناة ممكن تكون بداية انطلاقة لبناء منظومة إنتاجية متكاملة ومستقلة، تاخدنا ف سكة التقدم والعدالة الاجتماعية، وممكن تكون بوابة سرية تجرنا تاني لحظيرة التبعية والفساد والاستبداد والخضوع لإملاءات صندوق النقد الدولي، ولأني ما احبش أكون من كدابين الزفة اللي عايمين علي وش الفتة، ولا من عواجيز الفرح اللي قاعدين ينبروا ويلسِّنوا ع العريس والعروسة والمعازيم، فانا باستأذن القراء الكرام اني أأجل كلامي عن الموضوع ده للمرة الجاية ان شاء الله، ده طبعا ان كان مكتوب لنا نتقابل الخميس الجاي !
الثقافة والمجلس الأعمي.. تاني
بعد اللي كتبته الاسبوع اللي فات عن المجلس الأعمي، وعن لقاء المثقفين والرموز بالسيد رئيس الوزراء، استقبلت تليفون عتاب من صديق عزيز هو الشاعر الكبير الأستاذ الدكتور نصار عبد الله، قال لي فيه اني تجنيت علي الدكتور الأمين العام للمجلس، وقلت انه شاعر عمودي مع انه بيكتب شعر تفعيلة، واعتذرت له وباعتذر هنا للسادة القراء، فأنا كتبت اني ما باعرفوش وسألت عنه بعض اللي باثق في معرفتهم وذائقتهم الجمالية وقال لي انه بيكتب شعر تقليدي واسأت فهم اللي قاله وقلت شعر عمودي، وعاتبني الدكتور نصار كمان، لأني نسبت الدكتور المذكور للتيار السلفي، مع انه رجل صوفي مستنير، والدكتور نصار يعرفه جيدا وزامله في التدريس بالجامعة، وانا أثق في صدق شهادة الدكتور نصار، وباحب الصوفية والمتصوفين، واعرف انهم ألد أعداء المتسلفين، وإن المتسلفين بيفتوا بتكفيرهم، ووجداني اتربي علي ابن عربي والحلاج والنِّفَّري وسيدي عمر بن الفارض ومولانا جلال الدين الرومي، لكن الحوار المنشور للدكتور المذكور في اليوم السابع بتفوح منه ريحة غير مريحة أوحي بانتمائه للمتسلفين، وده اللي انا كتبته، ورد الدكتور نصار: ما انت عارف ان الصحافة والصحفيين ممكن يحوَّروا في الكلام ويصيغوه بطريقة تنحرف به عن المقصود منه، وانا ممكن اوافق الدكتور نصار علي كده، بس الأعراف الصحفية بتدي لصاحب الحوار حق الرد والتصويب في نفس المكان وفي نفس المساحة، والمعني الوحيد لعدم استخدام الدكتور المذكور حقه في الرد والتصويب، ان الحكاية مش فارقة معاه، وتَخلِّيه عن مسئوليته دي هي السبب في اللي انا كتبته.
وعلي كل حال، هموم الثقافة والمثقفين أكبر من إقصاء مسئول عن موقعه في الوزارة، أو تعيين مسئول في موقع ما يستحقهوش، والمشاكل في وزارة الثقافة مزمنة وبادية من زمان، واللي يعرف تاريخ مصر الحديثة، ح يشوف ان التعليم والثقافة كانوا أساس النهضة اللي ابتدت مع محمد علي ورفاعة الطهطاوي، وان المجتمع كان بيحترم المتعلم والمثقف، وان التعليم والثقافة كانوا أساس الترقي الاجتماعي، وبسببهم اتنقل كتير من أبناء الطبقات الشعبية لصفوف الطبقة المتوسطة اللي هيه رمانة ميزان المجتمعات، وبفضل التعليم والثقافة انتشر تأثير مصر في محيطها العربي، واكتسبت – عن جدارة – موقعها في الريادة والقيادة، وشارك المثقفين والمتعلمين من أبناء مصر في تحديث معظم الأقطار العربية، لغاية ما جه زمن السادات، وبعد ما كانت الدولة الناصرية بتحاول احتواء المتعلمين والمثقفين في صفوفها، بدأ السادات يهاجمهم ويسميهم «الأراذل»، والأفندية اللي بيختلفوا مع كبير العيلة، واستجلب قطعان الإخوان من السعودية، وانتشر أمثال الدكتور أبو حذيفة (عبد المنعم أبو الفتوح) في الجامعات المصرية، وهمه متسلحين بالجنازير والسِّنَج في مواجهة مثقفي اليسار والناصريين، ودخلت مصر من جديد حظيرة التبعية، واغتالت جماعات الإرهاب السادات اللي رباها ورعاها، وحاولت اغتيال الدولة نفسها، وبعد ما هزمتهم ورمتهم في السجون شوية، استتابتهم واستمالتهم لصفوفها، وواصلت تحالفها مع أفكارهم الظلامية، في حربها الشرسة ضد التقدم وثقافة التنوير، لغاية ما التعليم انحط وانحدر، والإعلام بقي تطبيل وتضليل وتجهيل، والثقافة بلا سكافة بلا وجع دماغ، بس كل ده انهار ووقع كأنه بيت عنكبوت، لما ثوار يناير ملوا الميادين، واسقطوا منظومة القيم الفاسدة اللي كانت حاكمانا، وطردوا رموزها الثقافية والفنية من الميادين، ورموا بذرة ثورة ثقافية اساسها الوحدة الوطنية وآفاقها أحلام الإنسانية في التقدم والعدالة الاجتماعية.
والنهاردة، بعد ما الإخوان سرقوا ثورتنا واسترديناها، لسه عبيد الماضي بيتنططوا حوالينا في الإعلام والاقتصاد والسياسات، واحنا بنواجه بسلاحنا الإرهاب، لازم نطهر جبهتنا الداخلية من الطابور الخامس اللي بيغذي الإرهاب فكريا، يعني لازم نستكمل ثورتنا الثقافية بسياسات تعليمية وإعلامية وثقافية، وعلي رأي المثل الشايع : كل الضلمة اللي في الدنيا حوالينا، ما تقدرش تخبي نور شمعة واحدة.
المواقف المبدئية
هزمت البراجماتية
من تمانينيات وتسعينيات القرن اللي فات، وبعض المفكرين التقدميين وبعض علماء المستقبليات، بيقولوا ان الدنيا داخلة علي مرحلة جديدة من تاريخ الإنسانية، وان عصر الرشد اللي اتبني علي العقل والعلم أخذ البشرية في سكة التقدم، بس سبب مظالم كثيرة وكوارث كبيرة، وحربين عالميتين، ووصل دلوقت لتهديد كوكب الأرض والوجود الإنساني كله، وبيقولوا ان ثورة المعلوماتية بتحطنا علي أول طريق عصر الحكمة اللي ح يتبني علي الحقيقة والعدل، وحقوق الإنسان، وقالوا كمان ان شكل الدنيا ح يتغير خالص، ومفيش حاجة ح تبقي زي ما كانت، لا الفرد ولا الأسرة ولا المجتمع ولا الدولة ولا السياسة ولا التعليم ولا الثقافة.. ولا..ولا..ولا..
خد عندك مثلا السياسة، اتعود الناس يقولوا عليها فن الممكن، أو فن إدارة المصالح وتحقيق المنافع، وانها محكومة بفكرة ميكيافيللي بإن الغاية بتبرر الوسيلة، واللي تغلب به العب به، حسب الفلسفة البراجماتية اللي بتقول ان كل نافع صحيح، وأكيد ح تفضل السياسة فن الممكن وفن إدارة المصالح وتحقيق المنافع، بس مفهوم المصلحة والمنفعة ح يتغير، مش ح يبقي مصلحة بلد علي بلد أو منفعة طبقة علي حساب طبقة، ح تبقي المصلحة والمنفعة ذات طابع إنساني يتجاوز الدول والطبقات ويشمل الإنسانية كلها، وح تبقي محكومة بفكرة الحقيقة والعدل وحقوق الإنسان، وح يبقي أساسها الفلسفي ان كل ما هو صحيح نافع ومفيد.
وانا مصدق قوي كلام المفكرين والعلماء دول، وشاورت عليه وانا باكتب ديباجة الدستور، وكان ماليني وانا باكتب قصيدة قبل الطوفان الجاي اللي بدأتها بعد هزيمة العدوان الاسرائيلي علي لبنان سنة 2006، وأنهيتها مع وصول أوباما للبيت الأبيض، واللي حصل في الدنيا في العقدين الماضيين بيزيد يقيني وتصديقي للكلام ده، من صعود دول العدالة الاجتماعية في امريكا اللاتينية، لتكوين كتلة البريكس وبنك شنغهاي، وصولا للاتفاق حول البرنامج النووي الايراني والمصالحة اللي حصلت بين أمريكا وكوبا، واللي يقول لي ان الاتفاق ده أو المصالحة دي تمّوا علي أساس الفلسفة البراجماتية والمصلحة، أقول له خلي بالك ان مفهوم المصلحة نفسه اختلف واتسع، وما بقاش مصلحة الأقوي عسكريا أو اقتصاديا وبس، وان أمريكا واللي وراها حاولوا بكل الطرق، وخلال أكتر من خمسين سنة مع كوبا وأكتر من تلاتين سنة مع ايران، انهم يحققوا مصالحهم علي حساب كوبا وايران وفشلوا، ووصلوا للحقيقة اللي هيه ف مصلحة كل الأطراف، وانتصرت المواقف المبدئية علي الشيطانية الميكيافيلية، وخرجت ايران من المعركة قوة معترف بها وبحقها في برنامج نووي للأغراض السلمية، وما اتخلتش عن مواقفها المبدئية في مناصرة قوي المقاومة والاستقلال، ولا غيرت رأيها في اسرائيل كغدة سرطانية، وخرجت كوبا وهيه متمسكة باشتراكيتها ومناصرتها لقوي التقدم في أمريكا اللاتينية وفي العالم كله.
الديموقراطية : سياسية ولا اجتماعية
والتاريخ بيعلمنا.. ان مفيش خطوط فاصلة بين مرحلة ومرحلة أخري، المراحل بتتداخل وبتتغير بتراكمات كمية توصلنا للتغير الكيفي، وده اللي حصل في مراحل الخروج من النظام العبودي للإقطاعي، ومن الإقطاعي للرأسمالي، وده برضه اللي ح يحصل وبيحصل في الخروج من عصر الرشد والدخول لعصر الحكمة، ومش معني الاتفاق النووي الايراني أو المصالحة الأمريكية الكوبية، ان الصراع انتهي وح يبقوا سمن علي عسل مع بعض، لأ طبعا مستحيل، كل اللي حصل تغيير في أسلوب إدارة الصراع، والدنيا داخلة علي حرب باردة جديدة، خلالها ح يحاول الأمريكان والغرب تغيير الأنظمة في ايران وكوبا من الداخل، من خلال الانفتاح الاقتصادي علي الدولتين، اللي ممكن يرخرخ العصب الثوري فيهم ويجذب أبناء الطبقات المستفيدة منه للنموذج الأمريكي والغربي، ومحتمل – وده احتمال ضعيف من وجهة نظري – تحقق أمريكا والغرب بعض النجاحات الصغيرة من هذا النوع في ايران، لان نظام الحكم في ايران بيقوده الملات والبازار، يعني الفقهاء والرأسمالية التجارية، ودول بطبيعتهم المحافظة بيميلوا للإصلاح التدريجي، وإيديهم ملوثة بدم الشيوعيين واليساريين، بس الشهادة لله حريصين علي استقلال إرادتهم الوطنية، ولسه شايفين في أمريكا انها الشيطان الأعظم والأكبر، واسرائيل بالنسبة لهم العدو الرئيسي.
ومستحيل – من وجهة نظري – ان امريكا والغرب يقدروا يحققوا أي انتصار في كوبا، واللي ما قدروش يحققوه بالقوة خلال خمسين سنة، مش ح يقدروا يحققوه بالمسايسة ولا خلال ألف عام، لأن كوبا وشعب كوبا، ومن خلال نظام الديموقراطية الاجتماعية اللي عايشين فيه، مستحيل يتنازلوا عن استقلال إرادتهم أو النظام اللي عايشين في ضله، واللي يقارن بين ديموقراطية الفقرا ف كوبا، وديكتاتورية الأغنيا ف أمريكا، ح يشوف ان كوبا الصغيرة الفقيرة بنظامها الاجتماعي مشروع ينتمي لمستقبل الإنسانية، بينما الامبراطورية الأمريكية بتنتمي إلي ماضي ح ييجي له يوم وينتهي، واللي يبص للديموقراطية الغربية والأمريكية بالذات، ح يدرك انها ديموقراطية بكش وضحك ع الدقون، حزبين كبار بيمثلوا جناحين للرأسمالية، ومجمعات انتخابية للولايات بنسبة مساهمتها في الدخل القومي، يعني الولايات الأغني تمثيلها – حتي لو عدد سكانها أقل – أكبر من الولايات الأفقر – حتي لو عدد سكانها أكتر، واللي يشوف مصاريف الحملات الانتخابية ومساهمات الأغنيا فيها، يعرف ان مستحيل يوصل فقير لسلطة من غير مساندة رجال المال والأعمال، وبالتالي فالسلطة كلها في ايدين الأغنيا أو لمصلحة الأغنيا. أما ف كوبا الفقيرة فالوضع مختلف، يمكن تكون حرية القول والتعبير مش زي أمريكا، بس كل الناس في البلد متساويين في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والدولة بتكفل للمواطن المسكن وبتأمن له العمل والرعاية الصحية والخدمات التعليمية، والمواطنين – بعشرات الملايين – بيشاركوا في مناقشة سياسات الدولة الاقتصادية والاجتماعية (مع إن في الغرب ممكن الوزير ما يعرضش برنامجه علي أعضاء حزبه كلهم)، وبرغم الفقر وانخفاض معدلات الأجور (الحد الأقصي تلاتين دولار شهريا!)، إلا إن متوسط العمر في كوبا أعلي منه في أمريكا ويقارب المعدلات في البلاد الاسكندنافية، ومعدل موت المواليد أقل منه في أمريكا، لأن مستوي الرعاية الصحية أعلي من أمريكا، ومستوي التعليم أعلي من كتير من البلدان الغربية، والمثير للدهشة ان المنطقة الأكثر فقرا في كوبا هي المنطقة المحيطة بالقاعدة الأمريكية في جوانتانامو اللي أمريكا محتلاها وعاملة فيها السجن الشهير اللي مش خاضع لقوانين العدالة الأمريكية، ومعركة كوبا الجاية هي تحرير هذه المنطقة المحتلة، وما حد يقدر يوقف بكرة في السكة ولا حد يقدر يرجع بكرة لامبارح.