[x]

تحتوى على 365 مئذنة..والإهمال طال معظم الجوامع

«فوه»..مدينة المساجد التى لا يزورها أحد !

«فوه» مدينة المساجد
«فوه» مدينة المساجد

◄بوابتان فقط باقيتان من مصنعى الطرابيش والكتان..ومحلج القطن أصبح أطلالا

◄الباعة الجائلون والقمامة احتلوا مدخل « التكية الخلواتية»..و«ربع الخطاطبة» تحول لفندق مهجور

كنوزها تنوعت لتشمل الآثار الدينية والتجارية والصناعية..كان اسمها «متليس» فى عصر الفراعنة وكانت مرسى للسفن.. اطلقوا عليها ايضا «بوه» أو مدينة الأجانب فى العصر الروماني.. يوما ما كانت مقرا لقناصل الدول الافرنجية لاحتوائها على ميناء مجمعا للمراكب القادمة والمقلعة بأنواع البضائع فى النيل وفى خليج الإسكندرية.. هى مدينة الـ 365 مآذنة..بلد الصناعة فى عهد محمد علي.. إنها مدينة «فوه» بمحافظة كفر الشيخ، وعلى الرغم من كل هذا الا ان قطار السياحة لم يصبها، ليس هذا فحسب بل نال من كنوزها طاعون الإهمال، واستباح الاهالى حرمات هذه الكنوز، فضاعت الملامح التاريخية، وما تبقى نال منه سهام الشيخوخة..ليبقى السؤال من المسئول عن هذه الفوضي؟!،، كيف تركنا ملامحها التاريخية تضيع، ولم يتم انقاذ ما تبقي؟!، متى يتم وضع الخطة لاستثمارها فى الخريطة السياحية، وهل ستظل مدينة المساجد يبكى الاذان بها.
«الأخبار» فى هذا التحقيق ترصد مظاهر الاهمال بالكلمة والصورة فى مدينة فوه وقامت بزيارة أهم المعالم الاثرية بها لعلها بالسطور الصماء تعيد الهيبة لمدينة المآذن .

بدأت القصة من مدينة القاهرة متجهين لطريق الاسكندرية الزراعي..240 دقيقة قطعناها حتى نصل لهذه المدينة الرائعة..طوال هذه المدة عصفت باذهاننا عشرات من الاسئلة الحائرة، أهمها احقا هذا الطريق الذى يمتلئ بالمطبات وطغت عليه عوامل الزمن هو السبيل للوصول للمدينة الإسلامية العريقة،، أين الاتوبيسات السياحية ؟!.
فطول هذه المدة لم نبصر سوى المقطورات وسيارات النقل، ايكون ما قرأناه عنها تهويلا وان الحقيقة ليست كذلك ؟!، والكثير والكثير، حتى وصلنا لمدينة المحمودية التابعة لمحافظة البحيرة هنا بدأت القصة فى السؤال عن الطريق، فالعلامات الارشادية غائبة كأننا امام سراب لا وجود له، حتى ارشدنا احدهم لعبور احد الكبارى العلوية وهذا ما كان.


ما ان وصلنا هناك خطفت انظارنا الطبيعة الساحرة لنهر النيل الخالد والذى قطع الطريق، بهذا الصورة الطبيعية الرائعة توسمنا خيرا باننا امام كنوز لا زالت تحتفظ برونقها، لنسرع عابرين الكوبرى للجانب الاخر حيث مدينة فوه التابعة لمحافظة كفر الشيخ، تاركين مدينة المحمودية الواقعة فى نطاق محافظة البحيرة..هنا تبدأ قصتنا مع مدينة المساجد.

كشك سجائر

« ليس كل ما يتخيله المرء يدركه».. هذه الجملة لخصت حالنا بعد العبور، فما توسمناه فرحا وسعادة حصدناه حزنا وألما، فبداية المدينة لا توحى بتواجد أى اثار اسلامية، حتى الاهالى القليل منها يعرف الطريق لهذه الكنوز، فالطريق الذى هو عبارة عن مطلع قادنا إلى اول هذه الكنوز، ملئ بالحفر، والنتوءات ولا يصلح ان يكون سبيلا للكنوز التى ظلت يوما حديث العالم


ومع هذا استمرت جولتنا سائلين عن احد اهم هذه المعالم وهو « التكية الخلواتية والمسجد العمري»، ليجيبنا رجل فى منتصف الاربعينيات من عمره بانهما يقعان فى ميدان سوق الجمعة وهو فى نهاية هذا الطريق..5 دقايق فقط كانت كافية بان نصل إلى ميدان سوق الجمعة وتبدأ معنا اولى الصدمات، فالمبنيان اللذان من المفترض انهم أحد معالم مصر الاسلامية، استباح بعض منعدمى الضمير جدرانها وجعلها لوحة لكلماتهم البذيئة، ناهيك عن احتلال عربة لبيع «البطاطس» لمدخل التكية الخلواتية، بينما تحول باب الجامع العمرى إلى مأوى لكشك سجائر، ليعصف بذهننا سؤال واحد ماذا سيكون بداخل الاثر اذا كان هذا هو الحال بالخارج؟!


« التكية الخلواتية « من هنا كانت اول مظاهر المآسى، فما كان بالخارج أهون بكثير عما هو بالداخل..فالاهمال أصبح منهاجا، واهدار القيم التاريخية أصبحت متعة، وعدم مراعاتها أًصبحت عادة فاقت العبادات، فبمجرد أن تخطينا الباب صدمتنا تلك اللوحة الخشبية التى من المفترض أنها ملخص لبعض من الكنوز بالمدينة ولكنها لسبب لا نعرفه تآكلت ونالت منها عوامل الرطوبة وتسوست أجزاؤها، أما عن القناديل التى تزين التكية اغتال بعضها طاعون الصدأ، والبعض الاخر ظل شامخا ولكنه فقد هويته القديمة، حتى «الخلاوي» والتى خصصت لعباد الله للاستراحة بها نال منها طاعون الاهمال فتحولت إحداها التى توجد فى الاسفل بالصحن المقابل للضريح إلى استراحة للأمن بينما الاخرى التى تجاورها خاوية تماما لا معالم لها ومغلقة، بينما التى كانت فى الاعلى بالتحديد على اليسار ولكى تصل إليهم عليك صعود السلم الخشبى الذى نالت منه عوامل الزمن هو أيضا،حينها ستحزن لحال تلك الخلاوى المتبقية التى تتكون من غرفة كبيرة ليست سوى ساحة للتراب والقمامة يتخللها غرفتان إحداها هو ممر لرؤية القبة والتى تآكلت بعض أجزائها هى أيضا وتأن حزناً من عدم الترميم، بينما الاخرى ليست سوى مخزن للمكاتب القديمة.

الصحن المكشوف 

الإهمال لا يتوقف فى التكية الخلواتية بداية من الصحن المكشوف المقابل للضريح الذى اغتالت بعض الشقوق جدرانه، وصولا لغرفة الضريح ذاتها التى بالكاد تحتوى على مربع من الخشب من المفترض أنها يعلو الضريح، انتهاء بالغرفة التى تجاور الضريح والتى كانت يوما مكتبه وموقع لقراءة وتحفيظ القران ولكنها الان ليست سوى مخزن بحجة أنه لم يعد يأتى اليها سائحون، ويستمر بنا الحزن فى التكية ولكنه هذه المرة فى المسجد الذى يقع فى الطابق الثانى من التكيه،والذى لتصل اليه اتجه يمينا بمجرد اجتيازك باب الدخول، وذلك لان المسجد تبدلت وظيفته واصبح موقعا للحشائش..هنا اعتصر الالم بنا وهرولنا مسرعين تاركين التكية التى يعود تاريخ انشائها لعام 1000هجريا وأنشأها الشيخ عطية الريحان أحد مشايخ الصوفية وكانت مائدة لعابرى السبيل، وموطن للأغراب.

الفتح الاسلامي

ومن «التكية الخلواتية» إلى «المسجد العمري» تبقى الصورة واحدة، فعدم تقدير الأُثر الاسلامى، وتركه لعوامل الدهر تنال منه كان هو المشهد انذاك، والسبب فى ذلك هو أن بعض من الاعمدة التى يتكئ عليها هذا المسجد تآكلت، وعندما تسأل عن أخر موعد تم ترميمه تصدم أن أخر ترميم لها كانت من عام1997 أى قبل 23 عاماً، ليبقى السؤال أين المسئولون من هذا المسجد والذى يعد هو المسجد الوحيد بالمدينة الذى بنى على الطراز النبوى المكشوف القديم وهو من أوائل المسجد التى تم إنشاؤها مع الفتح الاسلامى، وسمى بهذا الأسم تيمنا بالصحابى عمرو بن العاص.

الأقطاب الصوفية

هل هناك ما هو أسوأـ من ذلك؟!..سؤال ظل يراودنا بعد ان تركنا المسجد العمري، واستمر معنا طوال طريقنا فى الحارة الصغيرة المليئة بالنتوءات والتى لم تعرف يوما معنى للأسفلت او أرضيات «الانترلوك» ففى النهاية هى السبيل لميدان ابو المكارم والذى يحتوى على 3 من أهم المعالم الاثرية وهم «ربع الخطاطبة» و»وكالة ماجور» و»مسجد أبو المكارم»، ومع كل خطوة نخطوها يخالجنا شعور أننا أمام صور أسوأ من الاهمال وهذا ما كان، فما رأيناه فى البداية ليست سوى مقدمة لمسلسل أسوأ قادم، فما ان وصلنا إلى ميدان ابو المكارم صدمنا حال مسجد « أبو المكارم « والذى لم يشفع له موقعه على النيل مباشرة وأنه لأحد أهم الاقطاب الصوفية ومشايخها الكبار وهو الشيخ محمد ظهير الدين أبو المكارم ولد هنا 930 سافر للقاهرة وتدرج حتى أصبح فى درجة عليا بين المشايخ تقريبا درجة تقارب الامام الاكبر الان وعاد إلى وطنه عام 970 ويصبح رمزا لتحفيظ القرآن وتفسيره، وأنشأ هذا المسجد ليكون مدرسة لتحفيظ القرآن ولعقد حلقات الذكر وأيضا بذل جهذا جبارا فى بنائه، فكان يجمع الأعمدة الاصلية لتكون متكأ له لتجد أن بعض هذه الاعمدة يعود إلى العصر الرومانى والبعض الاخر يحمل شعار « الصليب» إلا أن طاعون الاهمال اغتاله فتآكلت واجهته وظهرت الكتل الاسمنتية لتغطى مظهره الحضارى والذى كان يتزين بالطوب المنجور أى بلاطتين بلونين مختلفين أحدهم بنى والاخر أبيض.

الأسلاك العارية

«ربع الخطاطبة»..اثر اسلامى اخر كان أفضل حظا من مسجد ابو المكارم، ولكن لم يفته أيضا قطار الاهمال، فتجد على باب هذا الربع مجموعة من الاسلاك العارية أى انك إذا لم تكن حذرا ستصعق بالتأكيد ؛ ناهيك على استباحة بعض من الشباب هذا الباب وقام بالكتابة ببعض كلمات الغزل والحب، أما عن الداخل فبالرغم من ان المبنى بحالة جيدة الا انه لا يوجد ما يوحى بان هذا المبنى يوما كان فندقا فخما يتهافت عليه التجار للاقامة بالاضافة إلى ان الدور الارضى به كان مخزناً للغلال، أَضف إلى ذلك ان المشربيات او شبابيك او الخوخات باختلاف مسمياتها اغتالتها عوامل الزمن هى الاخرى ولم تجد من يرممها.

وكالة الغورى 

«وكالة حسين ماجور».. كانت هى الاسوأ حالا بين المعالم الثلاثة، وذلك لان الاهالى استباحتها وزحفت بمبانيها الحديثة على ساحتها لتضيع معالم هذه الوكالة والتى تعد هى الوكالة الثانية المتبقية فى الوجه البحرى بعد وكالة الغورى، ويتبقى منها فقط الباب او الواجهة والتى تزينت بالنص التأسيسى لهذا الصرح الذى كتب عليه بسم الله الرحمن الرحيم أنشأ هذا المكان المبارك نصر من الله وفتح قريب الفقير / حسن أحمد ماجور سنة 211، والمضحك أيضاً أن ما تبقى لم يرحمه بعض من الشباب المغيب وقام بكتابة بعض الكلمات كـ»كلمة» اللمبي» وغيرها، ومع هذه الكارثة يعصف بذهنك سؤال واحد من المتهم عن ضياع هذا الاثر ولم لم يتم منع هذه الكارثة ؟

المراسيم السلطانية

مسجد» حسن نصر الله « كان هو الافضل حالا بين هذه الكنوز المهملة، فعلى الرغم من سوء الطريق المؤدى إليه الا انك ستجد أنه ما زال يحتفظ بوضعه بالرغم انه مع هذا لم يرحمه غياب الثقافة باهمية الكنوز الاثرية وأنه يوما كان مدرسه لتحفيظ القرآن ويحتوى على 3 اللوحات الرخامية والتى كانت بمثابة مراسيم سلطانية تتكون لوحة جدارية يكتب عليها المرسوم السلطانى وتعلق داخل الجامع فى المكان الابرز له وتم انشاؤه بامر من الامير الصاحب بدر الدين بن نصر الله الادكوى والذى تدرج فى المناصب ليصل إلى منصب «الاستادار» والذى كان يختص بالبيوت السلطانية وخزانتها، فتجد ان بجواره تم انشاء اسطبل للخيول، وايضا بعض من منعدمى القيمة قام بالكتابه على بعض من جدرانه، وشوهت محيطه الزحف العمراني.

ليفل الوحش

« ليفل الوحش « فى الاهمال واهدار الكنوز التاريخية..هذا هو الوصف الامثل لما وصل اليه حال مصنعى الطرابيش والكتان، وبالاحرى أطلال مصنعى الطرابيش والكتان واللذان لم يتبق منهما سوى البوابتين الخاصة بهما، بعد ان كان الاول يوما هو مركز لصناعة الطرابيش بعد ان امر بانشائه والى مصر محمد على باشا لمعرفته بمهارة اهل فوه فى الصناعات النسيجية وسهولة المواصلات بها واشرف على انشائه أخصائى مغربى وكان ينتج يوميا ما يقارب مائة وأربعة وعشرين ألف طربوش بينما الثانى أنشأه محمد على فى نفس توقيت انشاء مصنع الطرابيش ليمد الجيش بالملابس الذى يحتاجها، ليس هذا فحسب بل كان تصدر بعض منتجاته لاوروبا عن طريق مالطا وكان له فضل كبير فى تطوير صناعة الجوخ والكليم اللتان تشتهر بهم فوه، لكن الزحف العمرانى الاعمى كان له كلمة أخرى، فطمس معالمهما واستباحهما فى غفلة من الزمن وغياب المسئولين المدركين لقيمتهم، ليتبقى فقط البوابتان الخاصة بهما، والتى لم يرحمها ايضا الباعة الجائلون فتجد بائعو السمك احتلوا محيطهما.

بيت للأشباح 

أما عن محلج القطن فحدث ولا حرج، فلم يتبق منه سوى مبنى يعاند الزمان ليبقى الا انه على وشك الانهيار، واصبح بيتا للاشباح على الرغم من احتفاظه بهيئته المعمارية، بل انه بعد كل هذا استباحته احدى دور السينما فترة، ومع كل هذا الاهمال يظل مركزا للنزاع بين الاثار ومجلس المدينة واللذان يريان انهم اصحاب الولاية عليه فقط الولاية دون الاهتمام بالقيمة التى طمست بفضل غياب الوعى والادراك لينتهى إلى سؤال واحد فقط من المسئول عن ما وصلت اليه مدينة الـ 365 مآذنة.

 


 

 

ترشيحاتنا