التعدى على الممتلكات العامة .. جريمة فى حق المجتمع

د. محمد عبد رب النبى  --  د. علاء فتحى الغريزى
د. محمد عبد رب النبى -- د. علاء فتحى الغريزى

التعدى على الممتلكات العامة خيانةٌ للأمانة وجريمةٌ مجتمعية تُحرِّمها الشريعة الإسلامية، فهى ليست مجرد منشآت أو مرافق مادية، بل ثروة وطنية وحق مشترك للأمة بأسرها، ويُعد الحفاظ عليها واجبًا دينيًا ووطنيًا، لما تمثله من أساس لاستقرار المجتمع وتحقيق التنمية، ونرى كثيرًا من صور الاعتداء والاستهانة بالمنشآت العامة ولعل آخرها إتلاف مقاعد المنطقة الترفيهية بالعاصمة الجديدة..

عن هذا يؤكد د. محمد عبد رب النبى، مستشار الفقه وأصوله، أن الممتلكات العامة فى الإسلام لا تقل حرمة عن الممتلكات الخاصة، بل إن الاعتداء عليها أشد خطرًا؛ لأنه اعتداء على حقوق المجتمع كله، والأمة خصيم المعتدى يوم القيامة، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، موضحًا أن المال هو قوام حياة الناس ومعايشهم،

كما بَين الإمام الطبرى والراغب الأصفهاني، وأن الأموال وُجدت لتحقيق مصالح العباد وحفظ النفوس والعقول، فهى أساس قيام الفرد والمجتمع. وأضاف أن وصف الأموال بأنها «قيام» يعنى أنها عماد الحياة، وهو ما تؤكده الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِى الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾، مما يجعل المحافظة عليها ضرورة شرعية ومجتمعية.

وأشار إلى أن السنة النبوية شددت على حرمة المال العام، مستشهدًا بحديث النبى : «إن رجالًا يتخوَّضون فى مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة»، كما قال : «إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه»، وتدل هذه النصوص على خطورة الاستيلاء على المال العام أو العبث به، وأن مرتكب ذلك يتحمل المسئولية أمام الله وأمام القانون.. وأوضح أن الشريعة أقرت مبدأ التعويض عن الأضرار، مستدلًا بقضاء النبى  فى قصة ناقة البراء بن عازب التى أفسدت زرعًا، حيث قضى بضمان ما أتلفته، وهو ما يؤكد أن مَن يتسبب فى إتلاف الممتلكات العامة ملزم بإصلاح ما أفسده أو تعويض قيمته.

وقال د. علاء فتحى الغريزى، من علماء الأزهر الشريف: إن الشريعة شددت على صيانة الأموال واحترام الممتلكات العامة؛ لأنها ليست ملكًا لفرد، وإنما هى حق لجميع المواطنين، والاعتداء عليها خيانة للأمانة وإضرار بالمجتمع كله. وأوضح أن الممتلكات العامة ليست مجرد مبانٍ أو طرق أو مرافق، بل هى ثروة المجتمع وحق الأجيال القادمة، وأن كل اعتداء عليها ينعكس سلبًا على التنمية ويحمّل المواطنين أعباءً إضافية.. وأشار إلى أن بعض الممارسات الخاطئة، مثل سرقة الكهرباء أو المياه، والاستيلاء على أراضى الدولة، وإتلاف المرافق العامة، واختلاس الأموال بحكم الوظيفة، لا يمكن تبريرها بادعاءات من قبيل «الجميع يفعل ذلك» أو «الدولة لم تمنحنى حقي»، مؤكدًا أن كثرة المخالفين لا تجعل الخطأ صوابًا.

واستشهد بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، كما استشهد بحديث النبى : «من استعملناه منكم على عمل فكتمنا مخيطًا فما فوقه كان غلولًا يأتى به يوم القيامة»، مبينًا أن حتى الاستيلاء على شيء يسير من المال العام يعد خيانة يعاقب عليها الإنسان.. وأكد أن آثار الاعتداء على الممتلكات العامة لا تقتصر على قيمة ما يُتلف أو يُسرق، بل تمتد إلى تعطيل المشروعات، وإهدار الموارد، وإضعاف الاقتصاد، والانتقاص من حقوق المواطنين، لأن كل طريق أو مرفق أو خدمة عامة تتعرض للإتلاف يكون المجتمع بأسره هو المتضرر.

واختتم حديثه بالتأكيد على أن حماية الممتلكات العامة مسئولية مشتركة بين الدولة والمواطن، وأن بناء الأوطان يبدأ من احترام المال العام والشعور بأنه ملك للجميع، وأن الحفاظ عليه عبادة وأمانة، بينما الاعتداء عليه إفساد فى الأرض وخيانة للوطن وحقوق الأجيال القادمة، فضلًا عن كونه مسئولية يُحاسب عليها الإنسان أمام الله عز وجل.