العلماء: الوقائع القرآنية لا تخضع لمناهج التشكيك

د. صلاح الشورى  --   الشيخ خالد الجمل  --  د. عبد المنعم فؤاد
د. صلاح الشورى -- الشيخ خالد الجمل -- د. عبد المنعم فؤاد

لم تعد محاولات التشكيك فى الثوابت الدينية تقتصر على إثارة الجدل الفكري، بل امتدت إلى وقائع قرآنية أجمع عليها المسلمون عبر القرون، وفى مقدمتها واقعة أصحاب الفيل. وبين النص القرآنى القطعى والدعاوى التى تفتقر إلى الدليل، نوضح فى هذا التحقيق أن الحقيقة ثابتة بالوحى والتاريخ، وأن مواجهة هذه الشبهات مسئولية علمية ودعوية لحماية الوعى الدينى وحفظ ثوابت هذه الأمة.

عن ذلك يؤكد د. عبد المنعم فؤاد، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر الشريف، أن حادثة الفيل وقعت فى عام ميلاد الرسول الكريم ، ونزل جبريل عليه السلام بالآيات المباركات فى سورة كاملة، كأنك تشاهدها صوتًا وصورةً، وتعبدت الأمة ربها فى صلواتها بذكر هذا الحدث القرآنى الجلل، الذى يثبت أن الفيل لم يقبل أن يهدم بيت الله تعالى، وأن الطير اصطف محاربًا ومدافعًا عن حرمة البيت الحرام بقيادة لواء يسمى: «لواء الطير الأبابيل»، وهو أقوى لواء فى عالم الحروب عرفه الناس فى الدنيا كلها، ولم يكن هذا اللواء ليتلقى الأوامر إلا من ملك الملوك، رب الأرض والملكوت، الذى تخضع له رقاب الجبابرة، وتزول بقدرته عروش القياصرة.

وكلف سبحانه سيدنا جبريل بنقل هذا الحدث إلى رسولنا الكريم، وهو يقول له: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾. والتعبير بالماضى فى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، مع أن النبى صلى الله عليه وسلم لم ير الواقعة بعينه، يدل على قوة التحقق والثبوت، أى كأنك رأيت ما كان فى الماضى بعينيك يا محمد؛ لأن الناقل لك هو رب العالمين، وهل هناك أصدق من الله حديثًا، وأحسن منه قيلًا؟

وأضاف أن الأمة تلقت هذه الواقعة بالقبول، ونُقلت إليها بالتواتر، غير أننا ابتُلينا بمن ينكر قصة أبرهة والفيل والطير الأبابيل التى ذكرها لنا رب العالمين، وعلى الهواء مباشرة، دون خجل أو استحياء.

وقال إن إنكار هذه الثوابت والأحداث التى ذكرها القرآن الكريم ليس بجديد على صاحب هذه الآراء، مشيرًا إلى أن له مواقف سابقة فى إنكار وجود المسجد الأقصى فى فلسطين، على حد قوله، بما يخالف ما استقرت عليه الأمة ونصوص القرآن الكريم، ويؤدى إلى زعزعة الثقة فى ثوابت الدين وتاريخه وكتاب الله وسنة رسوله.

ودعا لتطبيق قانون ازدراء الأديان على مثل هذه الوقائع، مشددا على أن حادثة الفيل، ووجود جيش لأبرهة كانت الفيلة من ضمن أسلحته، ثابتان تاريخيًا من خلال وثائق حجرية، أبرزها نقش «مربغان» المكتشف جنوب الجزيرة العربية، والمؤرخ بسنة ٤٤٢ أو ٤٤٣م، وهو ما يعد دليلًا ماديًا واضحًا على وجود شخصية أبرهة.

كما أن سورة الفيل نزلت والنبى  فى مكة، فلو كانت هذه الواقعة غير صحيحة، لاعترض أهل مكة على ما جاء فى السورة، ولقالوا: إن ما ذكرته خرافة أو أسطورة. فلماذا لم يعارض أبو جهل النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك، وهو أشد الناس عداوة له، بينما نجد اليوم من يكذب بهذه الواقعة ويزعم أنها خرافة وأحداثها مزيفة؟

وطالب بوضع حد لهذه الأفكار المنفلتة للحفاظ على الأمن القومى والوطني، وعلى النسيج الاجتماعى من هذه الترهات.

وأضاف د. صلاح الشورى، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية المساعد بكلية اللغة العربية بالقاهرة، أن واقعة أصحاب الفيل ليست مجرد رواية تاريخية قابلة للأخذ والرد، وإنما هى حقيقة قرآنية ثابتة سجلها الله تعالى فى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ إلى آخر سورة الفيل؛ ولذلك فإنها تمثل دليلًا قطعيًا عند المسلمين لا يرقى إليه الشك.
وأوضح أن مناهج البحث التاريخى تُستخدم فى دراسة الأحداث التى تعتمد على الروايات البشرية، أما ما ثبت بنص القرآن الكريم فلا يجوز إخضاعه لمناهج التشكيك المجردة التى تتجاهل طبيعة المصدر ومرجعيته.

وأضاف أن القرآن الكريم نفسه أشار إلى أن هذه الحادثة كانت معروفة لدى العرب وقت نزول الوحي، فجاء الاستفهام فى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتقرير والتذكير بأمر اشتهر بينهم، كما أن ارتباط الواقعة بعام مولد النبى صلى الله عليه وسلم جعلها من أشهر أحداث التاريخ العربى قبل الإسلام.

وأشار إلى أن غياب بعض الشواهد الأثرية لا ينفى وقوع الحدث؛ فهناك وقائع تاريخية كثيرة أقرها المؤرخون رغم محدودية الأدلة المادية عليها، فالأصل والقاعدة العلمية يشيران إلى أن عدم العلم بالدليل ليس علمًا بالعدم، وأن عدم الوجود ليس دليلًا على نفى الوجود؛ فكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، فإن النفى يحتاج كذلك إلى دليل، ولعل الوسائل والأجهزة الحديثة تكشف مستقبلًا ما هو خفى الآن.

وأضاف أن من عادة الملوك تدوين انتصاراتهم لا هزائمهم، كما أن مشركى مكة الذين دعاهم النبى  إلى الإسلام لم يكونوا بعيدين عن هذه الحادثة، بل كانوا معاصرين لها وشاهدوها رأى العين، فلو كان الوحى قد أخبر بحادثة لم تقع، لكانت فرصة عظيمة لهم للطعن فى صدق النبى صلى الله عليه وسلم، وتأكيد ما كانوا يرددونه من اتهامات له، وهو ما لم يحدث.

وشدد على أن المنهج العلمى الرصين يقتضى احترام خصوصية المصادر، فالقرآن الكريم هو مصدر التشريع الأول عند المسلمين، ولا يجوز مساواته بالروايات الظنية، أو إخضاعه لفرضيات تشكيكية تفتقر إلى الدليل العلمى والمنهجي.

وأكد الشيخ خالد الجمل، الداعية الإسلامى والخطيب بوزارة الأوقاف، أن مواجهة الشبهات، ومنها ما يثار حول واقعة أصحاب الفيل، تكون بالرجوع إلى القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وبيان ما أجمع عليه علماء الأمة، مع ترسيخ منهج البحث العلمى المنضبط.

وأشار إلى أن قصة أصحاب الفيل وردت فى سورة كاملة من القرآن الكريم، وتلقتها الأمة الإسلامية بالقبول عبر القرون، وأجمع عليها جمهور العلماء وأصحاب كتب السيرة، مؤكدًا أن التشكيك فى الثوابت الدينية لا يقوم على دليل علمي، وأن بناء الوعى يبدأ من المسجد والأسرة والمؤسسات التعليمية، وترسيخ الثقة بمصادر الدين الصحيحة؛

لحماية الأجيال من حملات التشكيك وإرساء اليقين القائم على العلم والإيمان.