مع انطلاق أعمال قمة مجموعة السبع الصناعية الكبرى (G7) لعام 2026 في مدينة "إيفيان" الفرنسية، يتجه الاهتمام الدبلوماسي نحو الحضور المصري المتميز في هذا المحفل الذي يضم القوى الاقتصادية والسياسية الأكثر تأثيراً في العالم.
هذه المشاركة المتجددة تفتح الباب لقراءة رصدية وتحليلية لطبيعة وعدد المرات التي دُعيت فيها الدولة المصرية للجلوس على هذه الطاولة الدولية الصانعة للقرار.

تُسجل السجلات الدبلوماسية مشاركتين رسميتين بارزتين لمصر في قمم مجموعة السبع، وكلاهما جاء بـ "دعوة فرنسية"، ولكن بمعطيات سياسية ودولية مختلفة تعكس تطور نفوذ القاهرة الخارجي:
المشاركة الأولى: قمة بياريتز بفرنسا - أغسطس 2019
شاركت مصر للمرة الأولى في تاريخها بالقمة رقم 45 للمجموعة.
وجاءت الدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وكانت مصر تحضر بصفتها رئيساً دورياً للاتحاد الإفريقي.
انصب التركيز المصري حينها على صياغة "شراكة جديدة" بين القوى الكبرى وأفريقيا، وفتح ملفات التحول الرقمي، تمكين المرأة، ومواجهة الإرهاب في الساحل الإفريقي.
المشاركة الثانية: قمة إيفيان بفرنسا - يونيو 2026
تأتي المشاركة الثانية لمصر بصفة نوعية مختلفة تماماً؛ حيث دُعيت القاهرة كـ "دولة شريكة" بكامل فعاليات القمة وليس كأ ممثل لتكتل إقليمي فحسب.
وتبحث هذه النسخة ملفات شديدة التعقيد في الاقتصاد الكلي، أزمات الديون السيادية، الأمن الغذائي، فضلاً عن حوكمة الذكاء الاصطناعي، والاتزان الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

تحول في النظرة الدولية لمصر
يفسر خبراء العلاقات الدولية الانتقال من المشاركة الأولى (2019) إلى الثانية (2026) بأنه تحول في النظرة الدولية لمصر؛ فبينما كان الحضور في بياريتز محكوماً بالصفة التنظيمية الإقليمية (رئاسة الاتحاد الإفريقي)، فإن حضور مصر في قمة "إيفيان" 2026 يعكس مفهوم "الدولة الجسرية".
فالنظام الدولي الحالي، الذي يمر بحالة استقطاب حاد وتراجع في مستويات التنسيق، بات يبحث عن قوى إقليمية مرنة تمتلك "شبكة شراكات متوازنة" قادرة على الربط بين ملفات الشرق الأوسط، القارة السمراء، والقوى الغربية.
مؤشر القوة التنافسية
دعوة مصر كدولة شريكة في 2026 إلى جانب قوى صاعدة أخرى مثل الهند (رئيس البريكس الحالي)، والبرازيل (رئيس COP30)، وكوريا الجنوبية، يبرهن على أن العاصمة المصرية أصبحت رقماً صعباً في معادلة الاستقرار الاقتصادي والأمني الإقليمي.

ماذا تستفيد مصر اقتصادياً وسياسياً؟
لا تقتصر عوائد هذه اللقاءات على الجلسات المغلقة للمجموعة، بل تمتد إلى ما يُعرف بـ "دبلوماسية الهوامش":
- القمم الثنائية: تتيح القمة للقيادة السياسية المصرية إجراء لقاءات ثنائية مباشرة مع قادة العالم، وعلى رأسها اللقاء المرتقب للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لبحث ملفات الاستثمار المشترك والملفات السياسية الساخنة.
- طرح أزمات الدول النامية: تستغل مصر هذه المنصة لرفع الصوت دفاعاً عن اقتصاديات الجنوب، ومناقشة اختلالات الهيكل المالي العالمي، ومطالبة الدول الصناعية الكبرى بالوفاء بتعهدات التمويل المناخي.
ورغم حداثة رصيد مشاركات مصر في قمة الـ G7، إلا أنه يسير بمتسلسلة صاعدة تشير إلى نجاح الدبلوماسية المصرية في بناء نموذج علاقات متوازن وتحوّل مصر إلى ضيف دائم في كبريات المحافل الاقتصادية والسياسية (مثل G20 والـ G7 والبريكس) يؤكد أن القاهرة لم تعد مجرد مراقب للأحداث الراهنة، بل شريك أصيل في صياغة الحلول للتحديات الدولية.





