يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 253 من سورة البقرة بقوله: وعندما يقول الحق: «الله الذى خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ».. «السجدة: 4».
فهل جلوس الحق كجلوس الخلق؟ أو هل يكون كرسى الخالق ككرسى المخلوق؟ طبعا لا. ونحن المؤمنين نأخذ كل صفة عن الله فى نطاق التنزيه: سبحان الله وليس كمثله شيء، فليس استواء الله مثل استواء البشر، وليس جلوس الحق مثل جلوس الإنسان.
اقر أ أيضًا | خواطر الشعراوى :معجزة النبى
ونضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى من قبل ومن بعد هب أن صاحبًا لك دعاك لتأكل عنده، ثم دعاك أحد كبراء القوم لتأكل عنده، لابد أنك تجد الطعام متفاوتا فى جودته وأصنافه بين كل مائة من موائد من دعوك، فإذا كان البشر أنفسهم تتفاوت بينهم الأمور الوصفية تبعًا لمقاماتهم وقدراتهم وإمكاناتهم، فإذا ما ترقيت بالصفة إلى خالق كل الأشياء أيقنت أنه سبحانه مُنزه عن كل من سواه، وليس كمثله شيء.
إذن «كَلَّمَ الله» تعنى أنه أعلم رسوله بأى وسيلة من وسائل الإعلام. «مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس» والحق سبحانه وتعالى يؤكد دائما فى الكلام عن سيدنا عيسى أنّ عيسى ابن مريم مؤيد بروح القدس؛ لأن المسائل التى تعرض لها سيدنا عيسى تتطلب أن تكون روح القدس دائما معه، ولذلك يقول الحق سبحانه عنه: «والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا».. «مريم: 33».
ففى الميلاد سيدنا عيسى تعرض لمشكلة؛ لأنه ولد على غير طريقة ميلاد الناس، واتهمت فيها أمه، وجاء القرآن فنزهها، وبرأها، ووضع الأمر فى نصابه الحق، وأيضا فى موته عندما أرادوا أن يقتلوه.
وحين ننظر إلى الرسل نجد أن مقتضى أن يرسل الله رسلا إلى العالم هو أنه سبحانه قد خلق الخلق غير مكرهين على فعل، ولا مسخرين كما تسخر بقية الأجناس فى الكون، ودونه مباشرة الحيوان الذى ينقص عنه العقل، وبعد الحيوان يأتى جنس النبات الذى ينقص عنه الحس والحركة، وبعد ذلك الجماد الذى ينقص عن النبات، تلك هى أجناس الوجود والإنسان هو سيد هذه الأجناس. والسيادة جاءت له من ناحية أن الأجناس كلها مسخرة لخدمته لا بالاختيار، ولكن بالقهر والقسر.
فالشمس لم تجيء مرة لتقول: لم يعد الخلق يعجبوننى لذلك لن أشرق لهم اليوم ولا الهواء امتنع عن أن يهب، ولا المطر امتنع عن أن ينزل، ولا الأرض امتنعت عن أن تعطى النبات عناصر غذائه، إن الإنسان يركب الدابة ويسيرها.
كما يحب وكما يريد، لا شيء يتأبى أبدا على الإنسان وأنت أيها الإنسان الجنس الوحيد الذى وهبك الله الاختيار لتمارس مهمتك فى الوجود، فإن شئت فعلت كذا، وإن شئت لم تفعل كذا.
ولكن الله لم يدعك هكذا على إطلاقك، بل إنّ فيه أمورًا تصير برغم أنفك وأنت مسخر فيها، لا تستطيع مثلا أن تتحكم فى يوم ميلادك، ولا فى يوم وفاتك، ولا فيما ينزل عليك من الأحداث الخارجة عنك، ولا فيما يدور من الحركة فى بدنك، كل ذلك أنت مسخر فيه فلا تنفلت من قبضة ربك ولكنك مختار فى أشياء.






