أعادت واقعة ضبط أطراف جدد في قضية تداول مقطع فيديو لما عُرف إعلاميًا بـ«دجال ملامسة السيدات» بمحافظة الدقهلية، تسليط الضوء على واحدة من أخطر الجرائم المسكوت عنها، وهي استغلال بعض الدجالين للحالة النفسية والضغوط الاجتماعية التي تتعرض لها السيدات، وتحويل ما يسمى– وهمًا - بالعلاج الروحي إلى وسيلة للتحرش الجسدي والاعتداء النفسي تحت غطاء الدين، الواقعة التي كشفتها تحريات شرطة المنصورة بمحافظة الدقهلية لم تكن مجرد حادث فردي، بل نموذجًا متكررًا لجرائم تبدأ بخوف وتردد، وتنتهي بانتهاك صارخ لكرامة الضحية تفاصيل اكثر نعرضها فى السطور التالية.
البداية كانت مع تداول مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر شخص أثناء ادعائه علاج إحدى السيدات من تأخر الإنجاب، بينما كان يلمس أجزاءً من جسدها، وهو ما أثار موجة غضب واسعة ودفع الأجهزة الأمنية إلى التحرك العاجل لفحص المقطع وكشف ملابساته.
التحريات التي قادها ضباط شرطة المنصورة، أسفرت عن تحديد هوية المتهم الظاهر في الفيديو، وهو دجال يدعى «رضا.ا.س.م»، وبمواجهته أقر بصحة المقطع، مدعيًا أنه تم تصويره قبل نحو عشر سنوات، خلال الفترة التي كان يمارس فيها ما يزعم أنه علاج بالقرآن الكريم، قبل أن يعتزل هذا النشاط منذ خمس سنوات عقب خضوعه لعملية قلب مفتوح كما ادعى المتهم تعرضه في وقت سابق لأذى نفسي واعتداء جسدي أثناء إحدى محاولات ما أسماه إخراج الجن من جسد أحد الأشخاص، مبررًا بذلك توقفه عن ممارسة هذا النشاط!
وفي سياق استكمال التحقيقات، تمكنت قوات الأمن من ضبط السيدة الظاهرة في مقطع الفيديو، وتدعى داليا من محافظة الشرقية، إلى جانب ضبط وسيط يُدعى محمد وتبين أنه من تواصل مع المتهم واستدعائه بدعوى علاج السيدة وأظهر فحص الفيديو؛ قيام المتهم بترديد آيات قرآنية والتمتمة بكلمات غير مفهومة، مدعيًا وجود أعمال سحرية تعيق الإنجاب، مرددًا عبارات مثل: «عرف الجن إن الشيخ رضا بيأذي» و«اخرج وتوكل على الله»، في مشهد اعتبره كثيرون نموذجًا صارخًا لاستغلال الدين في ممارسة أعمال الدجل والشعوذة.
وأكدت التحريات؛ أن المتهم كان يمارس هذه الأنشطة، مستغلًا بساطة بعض المواطنين وحالات تعاني من اضطرابات نفسية، وذلك بالاشتراك مع نجله، وهو ما يسلط الضوء على خطورة تحول الدجل إلى نشاط منظم يستهدف الفئات الأكثر ضعفًا، وتمكنت قوة من ضباط وحدة مباحث مركز شرطة المنصورة، من ضبط المتهم إلى جانب باقي أطراف الواقعة، وتحرر محضر بالواقعة وإحالتهم إلى النيابة العامة لمباشرة التحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
الثقافة النفسية
هذه الواقعة وغيرها تكشف عن لجوء كثير من السيدات إلى الدجالين هربًا من نظرة المجتمع السلبية للعلاج النفسي، أو بحثا عن حل سريع لمشكلات نفسية مرتبطة بالقلق والتوتر وتأخر الإنجاب، في ظل غياب الوعي بطبيعة الاضطرابات النفسية ويستغل الدجال تلك الحالة متقمصًا دور المعالج، مستخدمًا آيات قرآنية بصورة مشوهة، ليخلق لدى الضحية اقتناعا بأن ما تمر به سببه مس أو سحر، وأن الخلاص لا يكون إلا عبر جلسات علاج تنتهي غالبًا بملامسات جسدية تمثل جريمة تحرش مكتملة الأركان.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي قائلا: أن أغلب هذه الحالات لا تعاني من أمراض عضوية، وإنما تعاني من اضطرابات نفسية معروفة علميًا، من أبرزها الاضطراب التحولي الهستيري، وهو اضطراب نفسي يظهر في صورة أعراض جسدية نتيجة صراعات وضغوط نفسية مكبوتة.
ويوضح فرويز؛ أن هذا الاضطراب يصيب السيدات بنسبة أكبر، خاصة في المجتمعات التي تفرض عليهن ضغوطًا نفسية متعلقة بالزواج والإنجاب ونظرة المجتمع، ما يجعلهن أكثر عرضة للبحث عن تفسير غيبي لما يعانينه من آلام أو اضطرابات.
ويضيف استشاري الطب النفسي؛ أن خطورة الاضطراب التحولي لا تكمن في المرض نفسه، بل في سوء التعامل معه، مشيرًا إلى أن العلاج الصحيح يعتمد على جلسات العلاج النفسي، وعلى رأسها العلاج السلوكي المعرفي، وفي بعض الحالات استخدام أدوية مضادة للقلق أو الاكتئاب، وليس على ممارسات وهمية تفتح الباب أمام الاستغلال وشدد فرويز على أن اللجوء إلى الطبيب النفسي لا يتعارض مع الإيمان أو الدين، بل هو لجوء للعلم، محذرًا من أن استمرار الخوف من العلاج النفسي يدفع السيدات إلى أماكن غير آمنة، ويجعل منهن أهدافًا سهلة للدجالين والمتحرشين.
ويرى فرويز أن السيدات أكثر عرضة للوقوع في فخ الدجل بسبب غياب الثقافة النفسية، والخوف من نظرة المجتمع، إلى جانب الاستغلال العاطفي والديني الذي يمارسه الدجال، وهو ما يحول الضحية من طالبة علاج إلى ضحية جريمة.
ويؤكد فرويز أن مواجهة هذه الظاهرة لا تتوقف عند الضبط الأمني، بل تمتد إلى نشر الوعي، وتشجيع العلاج النفسي المبكر، وتشديد الرقابة القانونية على مدّعي العلاج الروحي، لحماية السيدات من جرائم ترتكب في الخفاء تحت شعارات زائفة.
وتبقى هذه القضايا شاهدًا على أن الطريق الآمن للعلاج يبدأ من الطبيب المختص، لا من الدجال، وأن كسر حاجز الصمت والخوف هو الخطوة الأولى لإنقاذ مزيد من الضحايا قبل أن يتحول البحث عن الشفاء إلى مأساة جديدة.
اقرأ أيضا: القبض على دجال أوهم المواطنين بعلاجهم روحانيا بالإسكندرية
بأمر الأم.. الأبناء تحولوا إلى قتلة
ضبط 50 طنًا بودرة سامة داخل مصنع بالدقهلية كانت ستتحول لأطباق طعام
ضربات حاسمة من الداخلية.. مصادرة أطنان من السموم بقيمة 470 مليون جنيه







