الحقيقة أن التعليم الطبى يواجه كارثة كبرى، بعد أن تقرر زيادة عدد المقبولين فى كليات الطب إلى ٢٥ ألفا، بحجة سد العجز ومواجهة الهجرة
ما أثاره أخيرا الطبيب الكبير والمفكر العظيم د.محمد أبو الغار ، عن تدهور حال التعليم الطبى فى مصر ، يجب أن يصيبنا بالفزع ويدفعنا لسرعة التحرك.
يقول د. أبو الغار إنه حتى عام 2000 كان لدينا 13 كلية طب حكومية، و فى نهاية 2025 قفز العدد إلى 59 كلية طب منها 24 كلية حكومية والباقى أهلية وخاصة. والمشكلة، أو بالأصح الكارثة ، أن معظم هذه الكليات الخاصة ليس لديها البنية التحتية اللازمة لإنشاء كلية طب، وليس بها مستشفيات للتدريب العملى، وتستعير أعضاء هيئة التدريس من الجامعات الحكومية، وفوق كل ذلك فإنها تقبل نسبة كبيرة من الطلاب أصحاب المجاميع المنخفضة ،القادرين فقط على دفع المصاريف الباهظة.
وكل هذه العوامل يدركها جيدا وتؤكد أن مستقبل الطب فى خطر، فى ظل غياب التخطيط والتنظيم وإعطاء تراخيص كليات جديدة بدون الالتزام بالشروط اللازمة لإنشائها.
ما كتبه د.أبو الغار ذكرنى بالكارثة التى حدثت العام الماضى فى كلية طب جامعة جنوب الوادي، والتى تؤكد حجم الخطر الذى يتحدث عنه طبيبنا الكبير، فقد كشفت نتائج امتحانات الكلية فى العام الماضى، رسوب ٢٤٥ طالبا من ٣٩٨، بنسبة ٦١.٦٪، بالإضافة لفصل ١٠١ من الراسبين لتجاوزهم عدد مرات الرسوب، ووقتها اعترف رئيس الجامعة أن السبب الرئيسى لهذه الكارثة هى أن الطلاب من البداية غير مؤهلين لدخول كلية الطب، بسبب مجاميعهم المنخفضة التى تعكس انخفاض مستواهم التعليمي.
والحقيقة أن التعليم الطبى يواجه كارثة كبرى، بدأت بعد أن تقرر زيادة عدد المقبولين فى كليات الطب من ٩آلاف قبل ٥ سنوات إلى ٢٥ ألفا، بحجة سد العجز ومواجهة الهجرة، والنتيجة أن الكليات التى كان يطلق عليها كليات القمة، وكان لا يلتحق بها إلا «كريمة» الطلاب من الحاصلين على ٩٥٪ وأكثر، انخفض تنسيقها بصورة مذهلة، فوصل مجموع الطب فى الجامعات الخاصة والأهلية إلى ٧٤٪، وطب الأسنان ٧٣٪، والصيدلة ٦٨٪!
بالإضافة إلى أن معظم هذه الكليات غير مجهز بالإمكانيات اللازمة لتعليم وتأهيل وتدريب الطلاب، والنتيجة طلاب غير قادرين على التكيف مع الدراسة، مثل طلاب جنوب الوادى الذين تم فصلهم بعد أول عام، أو خريجون غير مؤهلين ولا مدربين، لكنهم رغم ذلك يحصلون على شهادات التخرج، وعضوية نقابة الأطباء العريقة ،ويحملون تراخيص رسمية تؤهلهم لممارسة المهنة، ليرتكبوا أكبر جريمة فى حق المريض والمنظومة الصحية كلها.
أتمنى أن تدرك نقابة الأطباء أن انهيار التعليم الطبى هو أكبر خطر يواجه مهنة الطب، وأن تدرك النقابة أيضا أن هذه المشكلة هى الأولى باهتمامها، بدلا من تفرغها لمعاركها الوهمية مع أى مريض يتجرأ ويتهم طبيبا بالخطأ أو الإهمال، مع إصرارها على التعامل مع شكاوى المرضى على أنها مؤامرة لتشويه سمعة الطبيب المصرى.
إذا كانت نقابة الأطباء تحرص بالفعل على سمعة طبيب المصرى وتسعى لحمايته وحماية المهنة، فيجب أن تلعب دورا حقيقيا فى إصلاح حال التعليم الطبى فى مصر ، وأن تبادر بتقديم مقترحات وخطط جادة ، وتسعى لتحقيقها بالتعاون مع الحكومة.
قد يبرر البعض زيادة أعداد كليات الطب وطلابها، بأزمة هجرة الأطباء، وخطورة النقص المستمر فى أعدادهم، ولكن المؤكد أن وجود عدد ضخم من الأطباء بلا تعليم ولا تدريب ولا كفاءة، هو جريمة حقيقية تهدد صحة المصريين وتدمر سمعة الطبيب المصرى الذى كان ولايزال مثالا للكفاءة ،يحظى باحترام وثقة المرضى داخل مصر وخارجها.


إنجاز بيئى
الذكاء الاصطناعى .. لغة كل المهن
تشكُّل الهوية فى عصر الذكاء الاصطناعى







