لا أريد أن أذكر أبرز الشائعات المنتشرة هذه الأيام، حتى لا أُسهم فى ترويجها، لكننا أمام موجة جديدة تختلف فى أساليبها وأدواتها وأهدافها ،فهى تُصاغ بعناية، وتنتشر بسرعة عبر المنصات الرقمية، وتستهدف القضايا الأكثر حساسية، وفى مقدمتها الأوضاع الاقتصادية والاستثمارية والمعيشية، بهدف إثارة القلق، وإضعاف الثقة، وإرباك الرأى العام.
وتتميز هذه الموجة الجديدة بقدرتها على مزج جزء من الحقيقة بقدر كبير من التضليل، مع الاعتماد على التكرار، وتوظيف الصور والمقاطع المجتزأة، والاستفادة من السرعة الهائلة التى تنتشر بها المعلومات عبر وسائل التواصل الاجتماعى، وتتحول الشائعة فى لحظات ،من مجرد خبر كاذب إلى أداة للحرب النفسية، تستهدف التأثير فى الإدراك وصناعة الانطباعات، أكثر من استهدافها نقل الوقائع.
وهذا النوع من الشائعات سلاح مدم، يعطل ملكة التمييز بين الحقائق والأكاذيب، ويستدرج العقول نحو الغضب واليأس والإحباط، محققا بذلك غاية مروجيها فى نشر الفوضى، وكسر جسور الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
وليس هذا النهج فريدا من نوعه، والتاريخ يثبت أن الشائعات والدعاية من أقصر الطرق للتأثير فى الجماهي، وتوجيه الانتباه إلى جوانب معينة من الأحداث، مع تجاهل جوانب أخرى ،ولعل المقولة الشهيرة: «اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس»، تعبرعن جوهر فلسفة الدعاية القائمة على تكرار الرسائل حتى تبدو وكأنها حقائق.
ومن أبرز هذه الأساليب ما يعرف بـ«التأطير الإعلامى»، وهو تقديم القضايا من زاوية محددة، وإبراز عناصر بعينها وإغفال عناصر أخرى، للتأثير فى طريقة فهم الناس للحدث، وعندما يستخدم هذا الأسلوب بصورة غير مهنية، يتحول إلى أداة للتضليل، وتشويه الحقائق، وإثارة السخط، وحجب المعلومات الجوهرية، بما يضعف التفكير النقدى، ويعمق الانقسام داخل المجتمع.
والهدف النهائى من هذه الحملات، هو نشر الإحباط وفقدان الأمل، لأن المجتمع الذى يستسلم لليأس يصبح أكثر قابلية للفوضى والانقسام، ولهذا تلجأ بعض الجهات المعادية أو الجماعات المتطرفة إلى استغلال المنصات الرقمية والغرف الإلكترونية لبث الأكاذيب، وزعزعة الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وإبقاء المجتمع فى حالة دائمة من القلق والتوتر.
ومن هنا تتعاظم مسئولية المثقفين والإعلاميين وأصحاب الرأى، ليس بالانفعال أو تبادل الاتهامات، وإنما بنشر الوعى، وترسيخ ثقافة التحقق، وتقديم المعلومات الدقيقة بلغة واضحة وموضوعية، فقوة الدول لا تقاس بما تمتلكه من إمكانات مادية فحسب، بل أيضًا بوعى شعوبها، وقدرتها على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين النقد المسئول والدعاية المغرضة.
وفى النهاية، يظل «الوعى الوطنى» خط الدفاع الأول فى مواجهة حملات التضليل والشائعات التى تستهدف استقرار المجتمعات، فالسلاح يحمى الحدود، والاقتصاد يدعم الاستقرار، لكن وعى المواطنين هو الضمانة الحقيقية، لصون الدولة وتعزيز تماسكها، وحين ينتصر الوعى، تتراجع الأكاذيب، وتفشل محاولات التشويه والإرباك، ويبقى الوطن قويًا بوحدة أبنائه، وقادرًا على مواجهة التحديات.


اختراق المجتمع «1»
السوشيالجية
نتنياهو وترامب.. لقاء الأزمة!!







