حديث وشجون

الجريمة الكاملة

إيمان راشد
إيمان راشد


ذكرت قبل ذلك أنى قضيت أكثر من ربع قرن من عملى فى الصحافة كمحررة بقسم الحوادث والقضايا أغلبها بين أروقة المحاكم ودهاليز النيابات، وارتبط اسمى بأكبر القضايا وأعظم المستشارين الذين أجلهم وأحترمهم وتربطنى بهم علاقات وثيقة إلى الآن.
خلال هذه السنوات شاهدت من يرتدون «البدلة الحمراء» انتظاراً لحكم الإعدام. وصدقاً كنت أتحاشى النظر إليهم رأفة بنفسي. لكن هناك قضايا تهز الوجدان وتجعلنى أتمنى لو كنت قاضيا لأحكم بأقصى عقوبة عليهم مثل الأم التى قتلت طفلها بالجيزة بمساعدة عشيقها وأخفته تحت سريرها ومارست بعدها العلاقة مع شريكها. أو بلطجى البساتين الذى ربط طفلاً فى شجرة وأحرقه حياً لخلاف على ثمن المسروقات مع والده أو الابن الذى قتل أمه.. أمام هذه النماذج لا يهتز لى جفن وأنا أسمع قرار إحالتهم لفضيلة المفتي.
وقد تعلمت من كبار القانونيين أنه «لا توجد جريمة كاملة». وليس هناك ما يسمى بـ «جريمة كاملة» فى قاموس العدالة المصرية، فلكل جريمة خيط يقود إليها. فمهما بلغ دهاء المتهم، فبراعة رجال المباحث وفطنة النيابة تصل دائماً لنقطة غفل عنها. وكم من مجرم ظن أنه بذكائه سيهرب من العقاب، فإذا بعدالة السماء تقف له بالمرصاد.
ومعلومة أحب أن أوضحها للقارئ: الفرق بين «المختل عقلياً» و»المجنون». فقد كانت لى صولات وجولات مع رجال الطب النفسى وحوارات نشرت فى جريدتى وأكدوا فيها جميعا ان المختل مسئول عن افعاله فهو يخطط ويختار التوقيت المناسب لينفذ جريمته بوعى كامل ولذلك فهو يعاقب قانوناً، أما المجنون ففاقد الإدراك والأهلية ولا عقاب عليه.
وأختم وأؤكد أن قضاء مصر العادل يتساوى أمامه الجميع. لا ينظر لشخصية المتهم بل لجريمته وأدلتها والأوراق التى أمامه من تحريات مباحث وتحقيقات نيابة، فالعدالة آتية لا محالة. رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف.